لقاء عند خط الدفاع الأول

04 June 2020
منى تارين (مستشارة في الطب التلطيفي وطب الشيخوخة والطب الباطني في مركز رعاية مرضى السرطان في المستشفى الأمريكي في دبي)
Photography by Prod Antzoulis

منى تارين (مستشارة في الطب التلطيفي وطب الشيخوخة والطب الباطني في مركز رعاية مرضى السرطان في المستشفى الأمريكي في دبي)

جي كيو الشرق الأوسط تستكشف العزل الصحي من وجهة نظر الدكتورة منى تارين

يمكنك القول إن الدكتورة منى تارين مؤهلة أكثر من الكثيرين للتعامل مع أزمة فيروس كورونا المستجد.

يتميز عملها في الرعاية التلطيفية أنها متمرسة في التعامل مع أصعب المواقف على الإطلاق كما أن أكثر الحوارات الحرجة هي ببساطة جزء من عملها اليومي. لكن حاليا ما نمر به هو أوقات غير مسبوقة، حتى بالنسبة للطبيبة التي واجهت أزمة فيروس إنفلونزا الخنازير في الولايات منذ أكثر من عقد بقليل. أصبحت الدكتورة منى الآن تعمل في المجال الصحي في الخطوط الأمامية في الإمارات العربية المتحدة، وتواجه الفيروس بينما يقبع الناس في المنزل - وعندما تنهي يومها عليها أن تتحول إلى التعليم المنزلي، وأصبحت أكبر تحدياتها الآن المساعدة في إنقاذ الأرواح وتعليم ابنتيها التوأم اللغة الفرنسية أيضا.

نمر في أوقات غير مسبوقة الآن لكن كيف هو اليوم الاعتيادي بالنسبة لك؟

 ابدأ يومي عادة في الساعة 8 صباحًا. ابدأ بمتابعة حالة مرضاي أو تفقد حالة المرضى الجدد. أرتدي ثوب العمل الطبي وتجهيزات الحماية حيث يتوجب على كل شخص في المستشفى أن يرتديها الآن، أقنعة جراحية طبعا. وبعد جولاتي هناك يتوجب علي  تفقد وإدارة أحوال المرضى الخارجيين في منازلهم. وهو جزء مما يجب أن أفعله بقسم الأورام. لقد تقلص هذا العمل عمليا، وأعتقد أنه بسبب توجس الناس قليلاً من القدوم إلى المستشفى في الوقت الحالي. أنا محظوظة بذلك نوعًا ما. عادة أعود إلى المنزل في الخامسة.

ماذا عن مساهمتك المباشرة في علاج كوفيد19؟

عندما يتعلق الأمر بوحدات علاج كوفيد19- هناك في المستشفى قسمان بالفعل - أتابع مرضى أمراض الدم والأورام فقط ، وليس مرضى قسم الطب العام. هذه الوحدات مخيفة إلى حد ما ، على الأقل بصريًا - عندما تذهب إلى هناك ستشاهد الجميع مرتديا بدلة وقاية كاملة، لكنها مجرد جزء مما يتعين علينا القيام به الآن.

هل سبق لك أن واجهت أي شيء يماثل الأزمة الحالية؟

كنت بالفعل في الولايات المتحدة عندما ضرب الوباء H1N1 عام 2009. إنه أمر غريب لأننا كنا خائفين مما كان يحدث ، لكننا خطونا خطواتنا. كنا نعلم أنها جزء من العمل ، وجزء من قسم الطب التي قطعناها وتعهدنا الالتزام بها، أتذكر تلك اللحظة وكم كانت صعبة ، وحرجة للغاية ... لكن هذا أسوأ بكثير ، يبدو الأمر مروعا الآن نظرا لسرعة وسهولة نقل العدوى بهذا الفيروس.

 هل تخشين دائما اصابتك بعدوى فيروس كورونا المستجد 19 خلال أداء عملك؟

لو سألتني عن ذلك في بداية وصول المرض إلى الإمارات، لكنت أجبت بالإيجاب-كنت أعاني من التهاب الشعب الهوائية الحاد في ذلك الوقت. وبالنظر إلى الأمر الآن ، لست خائفة من معاينة هؤلاء المرضى. نحن كأطباء نعتاد على الأمر. ولدينا كلنا ذات المخاطر ونتعرض لذات الأمر. نتدبر أمورنا، ولو سألت أي منها ستلقى ذات الجواب.

لم نتولى هذا العمل لكسب المال فلا بد أن يكون لديك شغف في قلبك وأن يكون جزأ منك ومن هويتك، وكلنا في الهم واحد.

 هل يختلف موقفك الآن عن طريقة تعاطيك مع فيروس انفلونزا الخنازير H1N1؟  

عام 2009 كنت وحدي ولم يكن لدي أطفال ولم أقلق بشأن التعرض للإصابة كثيرا. ولكن بالنظر إلى الوقت الحالي الآن فأهم شيء بالنسبة لي وما أقوم به هو أن لا أحضر الفيروس معي إلى البيت لتتعرض له بناتي.

 كيف تتعاملين مع معدلات الوفيات المرتفعة هذه؟ لا بد أن يكون ذلك أمرا يصعب التعامل معه؟

 جزء من خبراتي هو الرعاية التلطيفية ورعاية المسنين وطب الشيخوخة ، لذلك أنا مهيأة للتعامل مع نهاية العمر والتعامل مع الأمراض المزمنة وتعقيدات المرض. بالنسبة لي ، ليس غريبا أن يكون لدي مريض مسن يتعالج بتناول 20 دواء مختلفًا مع قصور القلب والسرطان وعلامات التقدم بالسن الأخرى

. لذا ، فالأمر مألوف بالنسبة لي، وتظل وفاة مريض أمرا قاسيا على الدوام ونحن بالطبع نعلم أننا نبذل قصارى جهودنا مع الجميع.

كيف تتعاملين مع الأمر على المستوى الشخصي؟

تطمئن نفسي بمعرفة أن أولادي بخير، وذلك ما يخفف معاناتي، ولدي توأم، زالاي وزافاش، وهما في السابعة من العمر و يسعدني قضاء الأوقات معهما أكثر من أي شيء آخر، كما أنني أدون يومياتي بمفكرة شخصية ، بدأت بالتدوين في 21 مارس. أكتب عن كل ما أقوم به كل يوم. ولكن أرى فيها أكثر من مجرد سجل لما يحدث معي فأنا أستخدمها لحفظ ذكريات لأطفالي. لا أريد أن يبدو هذا متشائمًا أو غريبا ، لكن أتأثر من العمل في الطب التلطيفي حيث تترسخ عقلية ترتيب الأشياء. قد لا يرغب الناس في التحدث عن هذا ، ولكن هذا مهم. لذا ، إنها مذكرات وأنا أكتب عن أشياء مثل ، "ما أتمناه في عيد ميلاد ابنتي السادس عشر أو في يوم الزواج".

هل يسألك أطفالك عما يحدث الآن؟

أعتقد أنهم يدركون ذلك، فنحن كلنا منهمكون و مشغولون، و نحاول كل يوم بيوم القيام بكل الأمور المطلوبة حاليا مثل التعلم عبر الإنترنت. لا أعرف كيف يتعامل الأطفال الآخرون مع الأمر/ ولكن أعتقد أن أولادي يعلمون أن هناك مشكلة وأننا سنتجاوزها وستختفي يومًا ما  وأننا جميعًا سنستعيد حياتنا الطبيعية.

وما رأيهم في وظيفتك؟

يعتقدون أن هذا تقديم العلاج هو عملي ، أعتقد أنهم يستمعون بتلذذ حين يرون أنني أنزع ملابس الوقاية بمجرد وصولي إلى المنزل فورا دون انتظار الدخول بها لرميها في الغسالة ويرون أن ذلك مضحكا.  لكنهم يشعرون بالإحباط حين أقول لهم أنه لايمكنهم معانقتي عند عودتي ، و أقول لهم إنني لا أستطيع الآن ، لكن بين الحين والآخر يقفزون صوبي ويقولون إنهم أمسكوا بي  لي، أنا أعيش من تلك اللحظات الجميلة وتمتد سعادتي لأسبوع أحيانا عندما يحدث ذلك.

هل الأمر صعب أن تكوني أم تعمل في وظيفة؟

اعتقد أنني الطبيبة الوحيد بين أولياء الأمور في مجموعة واتس اب المدرسي، بالطبع لدي شعور بالذنب كأم، فلدي فقط 90 دقيقة كل مساء للعمل مع أولادي ولا يمكننا أن نتناول أكثر من المواضيع الأساسية، ولكننا نخطط لتعلم الفرنسي والعربية أيضا. وأتمنى أن لا يقرأ أحد أعضاء مجموعة واتس أب هذا، لكنني تجاهلت الكثير من الرسائل في المجموعة، فهم يتحاورون باستمرار ولا يمكنني مواكبة ما يجري فكل ما اريده هو أن أتجاوز هذه الفترة العصيبة.

إذا كيف سنتخطى هذا يا منى؟

أعتقد أن الإمارات تتعامل مع تفشي المرض بشكل جيد للغاية. لكن علينا أن نستمر في مواصلة ما نقوم به حتى يتوفر اللقاح، فهذا الفيروس لن يختفي تلقائيا في وقت قريب، والتباعد الاجتماعي هو مجرد وسيلة لكبح انتشاره وعلى الناس أن تدرك أن الأمر لا يرتبط بهم بل بمخاطر تعرض الآخرين لخطر الفيروس إن كانوا من الفئات الأكثر عرضة للإصابة وعليك ارتداء قناع فذلك لن يؤذيك.

هل من المحبط أن تشاهدي أشخاصا لا يرتدون الأقنعة الواقية أو لا يأبهون للتقيد بأصول التباعد الاجتماعي؟

لايمكنني أن أقول لك ما أفكر فيه حول هذا الأمر لأنك لن تستطيع نشر ذلك! لكن نعم ، إنه أمر محبط. في بعض الأحيان يأتي أشخاص وتظهر نتيجة ايجابية لفحوصاتهم لكشف فيروس كورونا المستجد ولكن حين نبلغهم بضرورة التزامهم بالعزل الصحي لا يرغبون بالقيام بذلك، الأمر محبط وعلينا أن نقوم بالأمر الصواب. 

هل اكتسبت بمعرفة أكبر بنفسك خلال مواجهتك لأزمة هذه الجائحة؟

اعتقد انني تعلمت تقدير كل دقيقة، وعدم الالتفات للأمور الصغيرة لأن أغلب الأشياء التي اعتبرناها مشكلة فيما مضى تبدو لاحقا أمورا لا تستحق عناء التفكير بها مليا، تعلمت الاستمتاع بكل يوم واعتباره نعمة، وحين يتقفدني أصدقائي في الولايات المتحدة ويتصلوا مستفسرين عن حالي أقول لهم إنني بخير ومجرد يوم آخر والحمد لله.

ملاحظة من المحرر

جرى تعديل الحوار بغرض الإيجاز والإيضاح