ياسمين المجالي ليست حبيبتك

04 June 2020
ياسمين المجالي (بيبي فيست رام الله- المؤسس ومدير الابتكار)
Photography by Prod Antzoulis

ياسمين المجالي (بيبي فيست رام الله- المؤسس ومدير الابتكار)

الناشطة الفلسطينية ومؤسسة شركة بيبي فيست تستخدم منصتها لتمكين المرأة والمساعدة بمحاربة فيروس كورونا

"لستُ حبيبتك" هي العبارة التي استجمعت العزيمة لتدفع لتأسيس بيبي فيست، وهي العلامة التجارية لألبسة فلسطينية بادرت بفتح حوار مجتمعي حيوي حول القضايا الجندرية في المنطقة. فهذه المجموعة من خلال تصميم المنتجات التي تضم سترات وقمصان وجواكيت، تجمع الأموال من عوائدها لتعليم النساء الفلسطينيات وتوعيتهم. ومع استفحال أزمة فيروس كورونا المستجد حول العالم، قامت بيبي فيست بتصنيع قرابة 60 ألف قناع وتبرعت بهم لقطاع غزة. وكانت مؤسس المجموعة ياسمين المجالي تلتزم الحجر المنزلي في رام الله وتتأمل الأفكار حول ما ستؤول إليه أحوال المجموعة في المستقبل.

بادرت بالسؤال، مع كل ما يمر به العالم والمنطقة من أوقات استثنائية، كيف تبدلت الحياة في رام الله؟

نعيش أصلا في عزلة هنا، فلدينا حظر تجول في الساعة الخامسة. وفي فلسطين فالأمر فريد حقًا - نحن نكافح دائمًا على جبهات متعددة. نحن لا نواجه هذا الفيروس وانتشاره فحسب، ونحن نعاني المضايقات المستمرة في ظل الاحتلال العسكري ، ألا يعتبر ذلك معركة أيضا؟ كان نظام الرعاية الصحية عندنا في حالة فوضى أصلا، والآن يتعرض لضغوطات هائلة بشكل لا يمكن تخيله وذلك بسبب القيود المفروضة علينا. ، في غزة على سبيل المثال، هناك فقط 60 جهاز تنفس اصطناعي فماذا تكفي لمليوني نسمة، لا يُسمح لنا بإدخال أي شيء. إنه لأمر مدمر أن نرى أن محاولاتنا للتعامل مع هذه الأزمة، ففي نظام ضعيف جدًا بالأصل تتضاعف صعوبات الازمة عشرة أضعاف في ظل الاحتلال.

كيف تدبرتم أمر تصنيع وتوزيع الأقنعة في غزة؟

كان هدفنا في البداية جمع 15000 دولار مع محاولتنا تصنيع  30.000 قناع. انتهى بنا الأمر إلى جمع ضعف ذلك المبلغ ، والآن نقوم بعمل 60000 قناع. في هذه الفترة، انتهينا من تصنيع 40000 قناع. لقد دخلنا في شراكة مع جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية حيث كانوا يعملون في الأسبوعين الماضيين لتوزيع الأقنعة التي تبرعنا بها. لقد كان ذلك مشجعا كثير لنا ولهم لدى رؤية ثمرة الجهود تلك وما أنجزناه معا.

أخبرينا عن الانتقال من نورث كارولينا إلى رام الله مع عائلتك.

لم أتبنى طوال حياتي هويتي وتراثي الفلسطيني. أعتقد أن هذا بسبب البيئة التي نشأت بها نظرا للأجواء الأمريكية المحافظة في ولاية أمريكية جنوبية متزمتة وذات جذور متأصلة بالعنصرية. استبعدت هويتي العربية، وتراثي الفلسطيني بلا وعي ورفضت تعلم اللغة العربية. لقد قمت بتمليس شعري – تبنيت فكرة البياض جسديًا. لم أعيد النظر بذلك حتى العام الأخير من الجامعة ووقتها بدأت في النظر في التاريخ الفلسطيني، ونظرت في التاريخ من خلال الفن. عندما وصلت إلى هنا لأول مرة، كان الأمر صعبًا للغاية. تخيل مرور الأيام في حياتك كلها في الولايات المتحدة، ويقال لك باستمرار ، "أنت دخيلة ولست من هنا ، أنت لست منا ،" وما إلى ذلك. ثم عدت إلى فلسطين والجميع يسألني: "من أين أنت؟ من الواضح أنك لست من هنا ". لقد كنت أتبين تدريجيا ثم أحاول تقبل فكرة هويتي التي ستبقى إلى الأبد بين نوازع المساحة المحدودة بين الغرب والشرق.

كيف كانت الأسابيع القليلة الأولى تلك؟ هل شعرت أن هناك صدمة ثقافية؟

كان الأمر صعبا. لقد نشأت في الريف الجنوبي. وإذا رغبت التوجه إلى أي مكان فعليك أن تقود السيارة. لم أكن مضطرًة أبدًا إلى المشي في أي مكان، لذلك لم يسبق لي أن تعرضت للتحرش في الشارع. لكنني متأكدة من أنني إذا كنت أعيش في نيويورك أو شيكاغو أو في أي مدينة حيث يمكنك المشي، كنت سأتعرض للتحرش الجنسي. لم أجرب ذلك إلى أن انتقلت إلى مدينة رام الله. فجأة، طوال اليوم وكل يوم ، كنت أسير لمسافات طويلة و أميال وأميال ، وبالطبع تعرضت للتحرش الجنسي. كنت حزينة جدا. ظللت أفكر، هؤلاء هم شعبي، هذه هي ثقافتي وهي أيضًا مصدر اضطهادي كامرأة. لم أستطع التوفيق بين هذين الأمرين. أنا متأكدة من أن النساء في جميع أنحاء العالم يكافحن من أجل هذا ، عندما يبدأن تجربة واقع النظام الأبوي لأول مرة. كان ذلك صعبًا حقًا بالنسبة لي: محاولة التوفيق بين حبي لثقافتي وتراثي، مع الواقع الذي تواجهه النساء.

هل تم تأسيس بيبي فيست ، ولو جزئيا استجابة لتلك التجارب ؟

اقترنت صدمتي بكل ذلك مع حقيقة أن معظم الناس الذين كنت أحاول التحدث معهم حول المشكلة كانوا يتجاهلوها ويفضلون رميها تحت السجادة. وحين قلت لنفسي سأعود إلى المنزل وأخبر أمي، كانت تقول لي: "الأمر عادي ولا داعي للحديث عنه ". حتى الأصدقاء، هؤلاء الذي هم الأصدقاء الرائعون المتفهمون والمختلفون عن البقية والمتمردين على كل شيء، بدورهم كانوا يتقبلون ذلك ويتعايشوا معه قائلين: "لا ، هذه هي حال الأمور هنا." ويستبعدون التفكير بالأمر بتاتا، شعرت أنه لم يكن هناك مكان يمكنني من خلاله التعبير فيه على إحباطي وصدمتي النفسية. لذا  قررت أن أصنع عالمي الخاص.

متى لمست شرارة توحي لك بن بيبي فيست ستجد صدا وقبولا لدى الآخرين؟

عملت حساب انستاغرام ونشرت صورة عن يوم المرأة الدولي سنة 2017، وعن جاكيت جلدي قمت برسمه بقياس كبير جدا بعبارة عليه:" لستُ حبيبتك" وقتها بدأ تفاعل كبير للناس بذلك. لذا تأملت كم هناك فرصة كبيرة هنا ، حسنًا ، وفجأة أدركت أن لكل شخص حكاية مع القضية ولم تعد مشكلتي وحدي، إلا أنه لم يكن هناك حيز يتوحد فيه إحباطنا وحكاياتنا.

ما هي أكثر الأشياء المتشابهة والمشتركة التي سمعتها عندما كان الناس يتأففون مما جرى لك وتجاربك؟

أقمت مشروع الآلة الكاتبة لأول مرة في رام الله ، في وسط المدينة. في ذلك اليوم ، أعتقد أنني سجلت ستة ردود مختلفة. أول شيء صدمني هو قولهم :إننا نحتاج إلى التعامل مع الاحتلال أولاً ، ثم بعد ذلك جميع القضايا الأخرى مثل حقوق المرأة وإصلاح التعليم وقضايا البيئة ... كل ذلك يأتي بعد ذلك". نحن مشغولون منذ 70 عامًا. لذا ، مثل ... إلى متى تريد الاستمرار في تأجيل هذه القضية ورميها خلفنا فيما تقتل النساء أو تساء معاملتهن؟ أعتقد أن الناس بحاجة لأن يفتحوا أعينهم على حقيقة أنه لا يمكنك أبدًا تحقيق الحرية الوطنية حتى تكافح لذلك بشكل متزامن لأجل تحرير المرأة. فالقضيتان مترابطتان بشكل وثيق للغاية. لا يمكنك تحقيق إحداهما دون الأخرى. كذلك الحال فلا يمكن أبدا تحرير المرأة حتى يتحقق التحرر الوطني، يجب العمل على تحقيق ذلك بنفس الوقت.

ماذا عن اضطلاع الفلسطينيين بعملية تطور بيبي فيست؟

كنت أرسم سترات القطن هذه التي كنت أعثر عليها وأجد أرخصها من المتاجر في جميع أنحاء البلاد. بلغ الأمر إلى حد أنني تسوقت في متاجر التخفيضات - لم يبق أي متجر لم أتسوق به، شعرت بالذعر.  حين لم يعد هناك غيرها، واتصل بي أحدهم ، وقال إنهم يعرفون شخصًا في غزة يمكنه تصنيعها لي. كان ذلك صيف عام 2017. نحن نعمل معًا منذ ذلك الحين. أحد أكبر أهدافنا في المستقبل هو فتح مصنعنا الخاص، الذي تديره النساء وتشغلنه وحدهن.

أنت في الضفة الغربية لماذا يتم التصنيع في غزة؟

يعجبني التحدي الذي يقدمه ذلك، أعرف أن الأمر غريب، فمن جهة إدارة العمل بكفاءة لا يبدو ذلك منطقيا فلا معنى للتصنيع في مكان بعيد فيما يكون الأمر أكثر استقرارا هنا، وفي هذا الجانب تكبح أولوية الأرباح الاعتبارات الاجتماعية والتضامن، ولا أعرف لماذا يجب أن تتعارض مصالح الشركات مع التضامن نحن نعمل في غزة من منطلق التضامن.

  لم يتسنى لك لأبدا إمكانية زيارة المصنع في غزة أليس كذلك؟

 يجري كل شيء عن بعد من خلال الهاتف وواتس اب، حاولت عدة مرات الحصول على تصريح لدخول غزة،  ولدينا مغتربون أوروبيون هنا وهم يذهبون ويعودون من غزة كما يشاؤوا، فمن المذل أن الفلسطينيين لا يمكنهم الدخول إلى غزة.

كيف ولماذا أصبح التثقيف بالدورة الشهرية جزءا من مهمتك؟

 نريد أن نكرس كل شهر أموالا لقضية محددة في المجتع، فمرة كان الأمر في اللباس ومرة أخرى كان قرطاسية المدرسة والحقائب. واقترحت احداهن أنه يمكننا التبرع بالفوط الصحية، وقمنا بمجمع المال وحصلنا على الفوط وقام فريقي بتوزيعها، لم يسبق لي رؤية الناس بذلك الحماس وكانت أول مرة نرى فيها التأثير المباشر لما نقوم به، فلم نتبرع فقط بالفوط طلبت من فريقي تقديم ورشة عمل صغيرة للطالبات حول الدورة الشهرية، وقال الفريق خلال ساعة شاهدنا التغيير ورأينا فتيات انتقلن من جهل بكل شيء تقريبا عن اجسادهن، إلى  معرفة أكبر واهتمام أوسع، وذلك أمر هائل وأردنا المواصلة فيه ومضى عليه الآن سنة ونصف.

هل شاهدت تطورا في المواقف الجندرية خلال الوقت الذي قضيته في فلسطين؟

منذ بداية عملي كنت أتعرف على الكثير من المبادرات. هناك عدد أقل من المنظمات والتعاونيات المكرسة للنهوض بوضع المرأة في فلسطين. في الخريف الماضي، شهدنا حادثة محددة حيث قُتلت شابة- إسراء غريب - على يد عمها وأبناء عمومتها - وهي إحدى الحالات القليلة التي تحدث كل عام. تم تصوير هذا الحادث بالفيديو و أثار شرارة الغضب بطريقة لم يسبق حدوثها في حوادث اخرى

الآخرون. تزامن ذلك مع إطلاق مجموعة شعبية على مستوى المجتمع المحلي، وهي حملة "طالعات".. ضد التعنيف و"جرائم الشرف". إن رؤية ما قاموا به يمنحني الأمل فعلا ، فقد استقطبوا عددا كبيرا جدًا من النساء - ليس هنا فقط في رام الله بل في غزة وفي مختلف القرى ، وحتى في الأردن.

هل تسببت جائحة فيروس كورونا المستجد في لفت نظرك لأي أمر جديد أو غير متوقع؟

 أظن أن الناس سيكونوا مخطئين جدا لو نظروا إلى هذا الوباء كمجرد فيروس، فهو أمر يتقاطع مع أنظمة متعددة يواجهها العالم في إطار راسخ. فنحن لا نتعامل فقط مع فيروس، نحن نرى بروز أصحاب الامتياز بطريقة غير عادلة، فهذه الجائحة كشفت تشقق الأساسات التي بني عليها مجتمعنا. كان ذلك موجودا من قبل ولكن يتحدث الجميع عن القضية على أنها فرصة أمامنا لنتأمل ونقوم بتقييم الأنظمة التي اوصلتنا إلى هنا ونثير الاستفسار عن كيفية إصلاح ذلك. ما الذي يترتب علينا تغييره، وكيف ستكون الأحوال في المستقبل.

ملاحظة من المحرر

جرى تعديل الحوار بغرض الإيجاز والإيضاح