هذه هي حلول التصميم الداخلي التي تجعل الرحلات طويلة المدى أكثر قابلية للتحمّل

By MATT BURGESS
11 September 2018
سفر, طائرة, الطيران
Boeing
آلاف العناصر المتفرّقة تتكامل لتكوين الديكور الداخلي للطائرة. ويمكن للتغييرات الصغيرة أن تحدث فرقاً هائلا بالنسبة للركاب، خصوصاً عندما يفرض المال الاستفادة من كلّ ملليمتر من المساحة.

تتواجد غُرْفَةُ الضَّغْطِ العالِي في مكان عميق داخل مختبرات البحوث في جامعة ولاية أوكلاهوما. الجامعة تقع  في منطقة ذات درجة حرارة متوسطة لا تتعدّى عادة  30 درجة مئوية، ولا يزيد ارتفاعها على 350 متراً فوق مستوى سطح البحر. أما بالنسبة للأشخاص العاملين في تلك الغرفة، فيمكن أن تكون الظروف مختلفة تمامًا.

على مدى سبعة أشهر بدءا من أكتوبر 2002، تم تجهيز تلك الغرفة بـاثني عشرة مقعد طائرة من الدرجة السياحية – تفصل بين كل منها مساحة 34 إنشاً، وهو تقريباً متوسط المسافة الفاصلة بين المقاعد على الطائرات الأميركية في ذلك الوقت. طوال تلك الفرة، كان يدخل غرفة الضغط العالي في كل صباح نحو 12 متطوّعاً عند الساعة 10:00، ولا يتم إطلاق سراحهم من ذلك المكان المغلق، إلا بعد حوالي 20 ساعة، أي في الساعة 06:00 من صباح اليوم التالي.

أثناء تلك "الرحلة"، يتمّ عرض خمسة أفلام على أجهزة الفيديو، وتتخللها فترة نوم من الساعة 23:00 وحتى الساعة 17:00، كما يتم تأمين الوجبات الرئيسية، والوجبات الخفيفة. أما استعمال المراحيض فيكون متاحاً من دون تحديد.

كل مجموعة أمضت فترة الساعات العشرين على مستوى ارتفاع مختلف: من مستوى الأرض (198 متراً) وحتى ارتفاع أقصاه 2,438 متراً (حوالي ستّ مرات ونصف ارتفاع مبنى نيويورك إمباير ستيت).

والهدف من تلك التدابير؟ تحديد أي مستوى ارتفاع للطائرة هو الأفضل لتشغيل الضغط داخل الطائرة. نتائج الدراسة التي تمّ تكليفها إلى المختبر من قبل صانع الطائرات العملاق "بوينغ"، خلُصَت إلى أن كابينة الطائرة يجب أن تتعرّض للضغط كما لو كانت الطائرة تطير على ارتفاع 1,829 متراً، أي 6,000 قدم.

ويشرح بلايك إيمري، مدير استراتيجية التفاضل لدى بوينغ: "من بين العناصر المختلفة الخاصة بالطائرات، قد يكون الضغط أكثرها تعلّقاً بالعوارض الفيزيولوجية"، مضيفاً أن تعديل أجواء الكابينة بحسب الارتفاع تمّ تطبيقه على طائرات 787 دريملاينر، و777x.

نقطة الارتفاع عند 1,829 متراً هي الحالة المثلى لجسم الإنسان - وأيّ ارتفاع يفوق ذلك يسبّب انخفاضاً بنسبة 4٪ في كمية الأوكسجين التي تجد طريقها إلى مجرى الدم. بينما في السابق كانت طائرات بوينغ تحلّق بمستويات عالية من الضغط - أي ما يعادل ارتفاعات تصل إلى 2,438 متراً، (8,000 قدم). وهنا يقول إيمري إن هذا التغيير يخفف من تأثير الإرهاق الناجم عن الطيران.

هذا التعديل كان الأكبر الذي تقوم به شركة بوينغ في السنوات الأخيرة. ذلك أن معظم التعديلات التي تجرى على الطائرات تتعلّق بالداخل. فشركة الخطوط الجوية التي تشتري الطائرات، أو التي غالباً ما تستأجرها، لديها قدر كبير من التأثير في كيفية تصميمها من الداخل. من أرقام المقاعد، والتشكيلات، وإلى الإضاءة، والمراحيض، والحاويات العلوية، يمكن تخصيص مزايا الطائرة لجعل الرحلات أفضل للمسافرين - وشركات الطيران.

يمكن للتعديلات غير الملحوظة في داخل الطائرة أن تؤثر بشكل هائل على مستوى الراحة أثناء الرحلة. وعلى غرار التغيير الذي شهدته طائرات بوينغ 787، لن يلاحظ معظم الركاب التعديلات الضئيلة. ويقول إيمري: "إن المساحة التي يمكن أن تعمل ضمنها في الداخل لا تزداد. ما يمكن التحكّم به هو البعد النفسي". وهكذا تبدأ اللعبة ...

Airbus

ففي كل مرّة تشتري شركة طيران، أو تستأجر، أسطولا جديداً من الطائرات – وغالباً ما يكون من بين أكبر ثلاث طائرات: ايرباص وبوينغ وبومباردييه - تواجه مجموعة معقّدة من خيارات التصميم. ويقول بن كوفمان، مدير التسويق في شركة الطيران المحدودة Norwegian: "كل شركة طيران لديها الكثير من التخصيصات التي يمكنها القيام بها".

يمكن شراء التصميمات الداخلية تماماً كما يمكن تصنيع الحزم الجاهزة أو الأجهزة المعدّة حسب الطلب. حيث أن قاسماً مشتركاً واحداً يجمع بين الطائرات كافة، ألا وهو أن كل ملليمتر داخلها يملك قيمة مالية عالية. لذا ، فإن الحصول على تجربة أفضل للركاب غالبًا ما يرتبط بحيل التصميم الداخلي.

يقول جيرمي وايت ، مدير النقل في شركة سيمورباول Seymourpowell، التي تتخذ من لندن مقراً لها ، متحدثاً في معرض إيركرافت انتيريورز إكسبو في هامبورج، حيث يجتمع القيّمون في قطاع صناعة الطائرات للقيام بالصفقات والاطلاع على لمحة عن المستقبل: "أنت عالق بمعايير محددة لشكل وكثافة المقاعد، والناس بحاجة إلى التأكد من حصولهم على أعداد المقاعد والعائدات الصحيحة". "أنت تلعب بالأشياء الصغيرة. الأشياء الصغيرة التي يمكن أن يكون لها تأثيرات كبيرة."

خذ مثالاً طائرات 737s التي استحصلت عليها فلاي دبي حديثاً. هذه الطائرات التي تصنعها بوينغ هي طائرات ركاب ضيقة الجسد، ما يعني أنه عادة ما يكون ثمّة ممرّ واحد فقط يفصل بين المقاعد. أما الطائرات ذات الجسم العريض، بحسب تعريفها الخاص، فتمتاز بمساحة أكبر وتحتوي على ممرين منفصلين لحركة المسافرين.

"تقليديًا، لا يتمّ تزويد الطائرات من طراز 737 بمنتجات مثيرة". حسب تعبير جون تيج من شركة JPA Design، الشركة المتخصصة في المقاعد الفاخرة لرحلات درجة رجال الأعمال، والتي بدأت أعمالها منذ أواخر التسعينيات. وبالنسبة إلى طائرات 737 الخاصة بشركة فلاي دبي فقد زوّدت بمقاعد كلاسيكية من طراز تومسون فانتدج، تمتاز بقابلية التسطيح لتصبح بمثابة أسرّة. يوقول تيغي إن المقاعد تُركب تقليديا في تشكيل 2-1-2 وتوضع على متن الطائرات ذات الجسم العريض. لكن بالنسبة للجسم الضيق، حيث توجد مساحة أقل، فإن تصميم المقاعد يجعله يبدو وكأن الشخص في المقعد الأوسط لديه مساحة أكبر من الركاب الآخرين.

يقول تيجي: "لقد رفعنا مستوى الهيكل الخارجي للمفعد وشكّلنا الكثير من الاتساق بين أنواع المقاعد". ومن شأن ذلك برأيه أن يجعل كل مسافر يشعر بأنه منعزل وبعيد عن الآخرين. ويضيف تيجي: "تبدو المقصورة أكثر توازناً وحتى الركاب يتمتعون بمستوى أعلى من الخصوصية." وهكذا، تمكنت JPA من إرساء إمكانية خفض الحاجز بين مقاعد الدرجة الأعمال سنغافورة، لتشكيل سرير مزدوج.

أما على متن الطائرات الأخرى، فتعدّ التغييرات الهادفة إلى توفير المساحة أقلّ إثارة للانتباه. ويقول وايت إن استخدام الألوان الداكنة يمكن أن يجعل الطائرة اقل إثارة لرهاب الأماكن المغلقة. ويضيف أن تقنية استخدام السقوف المظلمة شائعة بالفعل في القطارات والسيارات.

يبقى الإحباط الدائم للركاب، وهو المتعلّق بالأمتعة. وهنا يقول إنغو واغتزر، نائب رئيس قسم تصميم والابتكار لكابينة الطائرة لدى شركة إيرباص، أنه خلال استطلاع حديث للرأي، وجد 145 تصميماً مختلفاً لخزائن الأمتعة على متن الطائرات التابعة لشركات الطيران في أنحاء العالم. ونتيجة لذلك، يجري نشر تغيير بسيط في آلية المفصلات في كبائن الطائرات من طراز A320 الجديدة من إيرباص. ويقول واغتزر إنهم استخدموا "الحد الأدنى من الأجزاء الدوارة" كما انخفض العدد الإجمالي للقطع المستخدمة، ما جعل زاوية خزانة الأمتعة "أكثر حدّة في العمق".

"قمنا بتخفيض خزائن الأمتعة في العمق قليلاً لكننا رفعناها إلى الأمام. ارتفاع التحميل هو نفسه لكننا دفعنا السقف إلى الأعلى للحصول على مساحة أكبر للحقائب." والنتيجة؟ تقول إيرباص إنها تستطيع الآن أن تستوعب عدداً أكبر بنسبة 40 في المائة من الأمتعة في الخزائن الكبيرة، وإنه يمكن ترتيب الحقائب ذات العجلات في جانبها بشكل عمودي بدلاً من أن تكون مسطحة. استغرقت تلك التغييرات 18 شهرًا لتطويرها. وهذا مجرّد مفصل واحد.

في مكان آخر داخل A320، يوضح واغتزر إنه تم إجراء تغييرات صغيرة على النوافذ. يقول: "لقد زوّدنا النافذة بإطار يلائم كتفك. إذا كنت تجلس بجوار النافذة فإنه يمنحك حوالي 1.5 إنشاً من المساحة لتحريك الكتف."

وبشكل عام فإن الطيران لمسافات طويلة يعتبر محنة حقيقية بالنسبة إلى جسم الإنسان. إن كونك محصوراً في فضاء واحد يحتوي على كمية محدودة من الهواء النقي والضوء الطبيعي وحرية التنقل هو في الواقع بيئة غريبة. فما بالك  لو كان عليك أن تتشارك تلك المساحة مع بضع مئات من الأشخاص.

عندما يتواجد الإنسان في مثل تلك البيئة، فإن العقل يكون أكبر مؤثّر. جيث يقول باتريك بوديس، نائب رئيس التسويق لدى بومباردييه: "من المثير للاهتمام حقاً أن نحلل كيف ينظر الناس إلى مفهوم الراحة: إنه الضوء، والمساحة التي تحصل عليها، وأحياناً الألوان".

من ناحية أخرى، خلُصت دراسة أجرتها بوينغ إلى أن الركاب الذين كانوا مسافرين على متن طائرتين متطابقتين تقريباً، وهما طائرة نورويجيان طراز 737 NG من طراز وطائرة بوينغ سكاي الداخلية 737، كانوا أكثر سعادة في الطائرة التي تمتاز بمدخل أوسع وإضاءة أفضل. وتفيد بوينغ أن المسافرين وجدوا أن مقاعدهم ووجباتهم كانت أفضل بينما كان الأمر في الواقع يتعلق بمحيطهم وحسب.

لكن الفرصة لإجراء تغييرات جذرية في التصميم لتحسين نوعية الساعات التي يمضيها المسافرون في الجو ليست متاحة إلى حدّ كبير. ويقول تيج: "إن مثل هذه الفرصة للتحسين باتت أكثر ندرة". "إذا كنت قد حصلت على مقعد من كتالوج ما منذ عشرة إلى خمسة عشر عامًا، فقد كانت مهمة سهلة بالنسبة إلى أي مصمم لأنه كان بإمكانه أن يحصل على نموذج، وأن يجسّده بشكل ثلاثي الأبعاد فيحدد بالتالي المساحات المستخدمة بشكل سيئ والتي يمكن تطويعها بشكل أفضل. أما اليوم فقد أصبح من الصعب القيام بذلك."

وكبديل عن ذلك، يتطلع تيجي نحو الأمور "غير المعتادة" التي يفعلها الناس أثناء الطيران، بغية الوصول إلى تعديلات جديدة في التصميم. ولتحقيق هذه التطورات - التي يشمل بعضها أجزاء متحرّكة بمقدار ملليمترات فقط - فإن السلوك البشري يوفر أكبر الإمكانيات. ويقول تيجي: "الكثير من الركاب في مقاعد الدرجة الاقتصادية يضعون أقدامهم في الجوب المخصصة للمجلات. فالناس يجدون الراحة بطرق مختلفة قد لا يتوقعها المهندسون وشركات الطيران". ومن خلال فهم واستيعاب تلك الوقائع بشكل أفضل، يأمل المصممون في الاستمرار في تحقيق تلك المكاسب الهامشية.

المقالة من WIRED UK