طاهر رحيم يستعدّ للإقلاع

By أندرو ناجي
03 March 2019
ثمة أشخاص يفهمون شروط اللعبة. وطاهر رحيم واحد من هؤلاء. فلا نمطية بعد اليوم، لأن الممثل الفرنسي، جزائري الأصل، مستعدّ لتحقيق النجاح، بشروطه الخاصّة.

قد يكون أفضل عمل قام به طاهر رحيم أنه أبقى فمه مغلقاً.

هل تعرف ذلك الدور في فيلم "نبيّ" A Prophet الذي صنع نجاحه؟ بالنسبة إلى رحيم، أتاه هذا الدور بفضل صمته، ولأنه لم يزعج ويلحّ على المخرج الشهير جاك أوديار بلا توقّف.. مثلما فعل الممثلون الآخرون. أو لنقل أن تلك على الأقلّ كانت البداية. بالصمت المطبق.

طاهر رحيم يترك عمله يتكلّم عنه، حتى ولو لم يكن ثمة ما يكفي من العمل.

ليس لأن الممثل الفرنسي الجزائري البالغ من العمر 37 عاماً من النوع الصَّموت، أو المتحفّظ. فحتى ولو كان هذا الدور قد أطلقه في سماء النجومية بين ليلة وضحاها، فهو قبل عشر سنوات، كان قد اختار الصمت. فقد بقي في منزله، وندر ظهوره على التلفزيون، أو في الحفلات والمحافل الاجتماعية التقليدية. لم يكن واثقاً مما سيصبح عليه في المستقبل. لم يكن واثقاً مما يمكن أن ينتظره في حال سمح لنفسه بالانغماس في نشوة النجاح الذي حققه في فيلمه الأوّل.

بالنسبة إلى شخص آخر، لكانت جوائز سيزار العديدة التي أحرزها عام 2010 أودت بعقله (أفضل ممثل، وأفضل ممثل واعد، الحاضر والمستقبل مدمجان معاً). أو لكانت دفعت به إلى هاوية حقبة كاملة مليئة بالافلام غير المدروسة والخيارات الحياتية الخاطئة، ليكون صعوده السريع إلى قمّة النجاح بمثل حدّة سقوطه في غياهب النسيان.

والواقع أن منعطف الطريق التالي قاده إلى مجموعة كبيرة من الأدوار، بعضها في أفلام حققت النجاح، على عكس بعضها الآخر. فمن القيام بدور الرجل الذي يقوم بالتجسس على مسجد فرنسي في فيلم Free Men، وإلى دور عميل في مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي FBI علي صوفان في فيلم The Looming Tower، أو دور يهوذا الإسقريوطي في فيلم Mary Magdalene، وصولاً إلى دوره الحالي في فيلم The Kindness of Strangers الذي افتتح به مهرجان برلين للأفلام السينمائية.

كانت تلك رحلة مجزية صعوداً إلى الأعلى في خطّ مستقيم، ومسيرة مهنية حافلة بالدروس المكتسبة والمعارك التي خاضها وربحها. ولو كانت لمسيرة مهنية ما أن تعكس الحياة، فهكذا تكون. والشعور السائد اليوم أن هذا رجل على وشك تحقيق أمر عظيم.

أما مسألة قلّة الكلام، فلا يزال رحيم يأخذها بكثير من الجدية. بل هو يتبع هذه الاستراتيجية الآن أيضاً، في صباح اليوم ذاته لإجراء هذا اللقاء. حيث تدور الأحاديث حالياً حول إمكانية قيامه بدور أساس في مشروع الفيلم الأحدث للمخرج داميان شازيل، وهو إنتاج أصلي من نتفليكس يحمل عنوان The Eddy لمخرج أفلام La La Land، و Whiplash، و First Man. ولكن حالياً، وبينما نسير في شوارع باريس، لا تخرج تلك الكلمات بسهولة.

"آه يا رجل.." يقول بشيء من التردّد، وأصوات صفارات سيارة إسعاف تتردّد في البعيد. "أنا لا يمكنني أن أقول شيئاً. آسف فعلاً، ولكن.. لا أستطيع."

"فأسارعه بالقول: "إنها دراما غنائية أليس كذلك؟"

"لا أستطيع، فعلاً.."

"ولكنه داميان شازال.. هيا، إنها مسألة مثيرة للحماس!"

"بالطبع.. فكلّ ما يفعله مثير للحماس، بالنسبة إلى الممثلين والجمهور على حدّ سواء. أكاد لا أطيق صبراً على الانتظار."
يسكت.. ولبرهة طويلة.

"نعم، أكاد لا أطيق صبراً على الانتظار لمشاهدته"، يقول موضّحاً.

لعبتها صحّ، رحيم، لعبتها صحّ فعلاً.

ولكن، مهما تكن دوافعه، فطاهر رحيم سعيد الآن. ولعلّ فرانك سيناترا كان محقاً في قوله، فباريس مميّزة فعلاً في فصل الربيع.

"لقد حظينا بأربعة أيام من الطقس المشمس بسماء زرقاء وصافية وجو دافئ،" يقول رحيم، وهو يعدّد نشاطاته في مثل تلك الأيام. "حين لا أكون منشغلاً بالتصوير، فأنا أنهض من نومي، وقد أمارس بعض التمارين الرياضية، وأخرج لشرب القهوة، ثم أعود فأقرأ قليلاً، وأشاهد فيلماً، أو أمضي بعض الوقت برفقة ابني." وهنا ألاحظ أن لكنة الممثل تميل في بعض الأحيان إلى اللهجة الأميركية، ربما من أنحاء بروكلين. ربما هي من مخاطر تعلّم لغة أجنبية وأنت تفكّر بهوليوود.

ولكن، بغضّ النظر عن اللكنة، فأنت لن تلبث أن تشعر وأنت برفقة رحيم بالأصالة. بالواقعية. بشيء يوحي بالجرأة، وعدم الاستسلام. ويمكنك أن ترى ذلك في الأدوار التي يقوم بها، فهي ليست من السهولة بمكان، ويمكنك أن ترى ذلك حتى في بداياته، حين لم يكن مجرى الحياة بهذه السلاسة، فقام بتغييره ولم يتردّد في المخاطرة. وهكذا انتهى به الأمر بالعيش في العاصمة الفرنسية.

ويقول رحيم: "في البداية درست الرياضة في ستراسبورغ، ومن ثم ذهبت إلى مارسيليا لدراسة بعض الأمور المتعلّقة بالكمبيوتر... إلا أنه لم يكن على الإطلاق المجال المناسب لي. وقلت لنفسي، "إذا أردت أن تصبح ممثلاً، فالطريقة الوحيدة للبدء هي أن تتعلّم التمثيل." وهكذا كان. ذهبت إلى مرسيليا ودرست السينما، وإنتاج السيناريو، والإضاءة. كانت كلها أموراً أساسية وبسيطة في الواقع، فتلك كانت الجامعة، وليس معهداً مسرحياً، إلا أنها وضعتني على الطريق الذي قادني إلى حيث أردت أن أكون."

وكما لو كانت تلك الفرصة أتت لتحطم سياسة الصمت في حياته، أخذ يتقدّم في ذلك المجال بسبب موهبته في اغتنام الفرص المتاحة أمامه والتي كانت تأتيه لأنه شاب لطيف، ومن النوع الذي يحقّق نجاحه في معهد التمثيل من خلال إقناع مدرسيه بأنه يستحق المجازفة، حتى ولو كان يبدو، ولو في الظاهر، غير مستعدّ بعد.

ويتابع طاهر كلامه قائلاً: "وهكذا، كنت أقف خلف خمسة وعشرين شخصاً تقريباً أنتظر دوري، متسائلاً عما سأفعله تالياً، حين رأيت أحد المدرّسين، فذهبت ناحيته، وأخذنا نتحدّث، ونتحدّث، ومشينا متخطّين الصف وبينما نحن ندخل مكتبه قال لي إنه سوف يدعمني، ويعطيني ختم الموافقة ويقبلني في صفه، كما سوف يضمن حصولي على منحة مالية. قال لي يومها: "حسناً، أنت مقبول، ولكن عليك أن ترسل لي ذلك المستند. ثلاثون صفحة، ومعك مهلة حتى الأسبوع القادم، اتفقنا؟ لكنني أرسلت له أربع صفحات."

ولكن هذا لا يعني أنه كسول، ولكن تلك الخدعة ما كانت إلا وسيلة لتحقيق الهدف، حيث أنه ولأول مرة في حياته، كان يعرف ما يريد. ولكن، حتى ولو كانت وجهتك تبدو لك غاية في الوضوح، إلا أن ذلك لا يعني دائماً بأنك سوف تصل إليها بسهولة. لأن الحياة تعترض سبيلك، ورحيم كان عليه أن يعيش، وأن يدفع الإيجار، والفواتير. فأخذ يعيش مقتّراً، حياة الممثل الذي يعتاش من عمله، وأحياناً كان يعمل في وظيفتين أو ثلاث أثناء متابعة دراسته.

ويقول: "درست التمثيل في المعهد وعملت في أحد المقاصف خلال النهار، ثم كنت أذهب بعد ذلك إلى العمل في مصنع حيث كانوا يصنعون الأسطوانات المدمجة، والقطع الخارجية لأجهزة الكمبيوتر، ومثل تلك الأشياء. وأنا كانت مهمتي أن أقوم بالتغليف في صناديق الكرتون. وفي الليل، كنت أعمل نادلاً في ملهى ليليّ."

وهكذا كانت حياته، على الأقلّ لمدّة عام.

لكن بعد ذلك، أخذ رحيم يترك عمله يتحدّث عنه. ويقول: "كان علينا أن نعدّ مشهداً طلبه منا المدرّس ليكون بمثابة سجّل شريطيّ حيّ لعملنا، حيث كان علينا أن نقوم بأدائه في نهاية العام أمام جمهور من العاملين في القطاع، من وكلاء فنانين، ومساعدين، وإلى  ما هنالك. وبعدما أنهيت أداء مشهدي، كان ثلاثة وكلاء أعمال فنانين ينتظرونني للتوقيع معهم."

ويعد دور قصير للغاية كشرطي في فيلم رعب فرنسي عنوانه Inside، حصل رحيم على دور قصير، ولكن مهم، وذلك عام 2007 في سلسلة تلفزيونية بعنوان La Commune. وهنا، أخذت الأمور تصبح أكثر أهمية بالنسبة له، حيث كان ضمن أسرة المسلسل شاب جزائري، يقوم بتأليف نص. وهذه ليست مفاجأة. ولكن اتّضح أن ذلك النص كان جيداً، بل أكثر من جيد، وهو نص فيلم A Prophet. وكان ذلك يعني أن يأتي لزيارة موقع تصوير مسلسل La Commune بين الحين والآخر، الرجل القائم على تنفيذ الفيلم، وهو المخرج جاك أوديار. وتلك كانت فرصة كبيرة.

"لا أزال أذكر ذلك اليوم وكأنه كان بالأمس،" يقول رحيم. "كان عليّ أن أقوم بتصوير مشهد في السابعة مساء، ولكن المخرج قال لي، ’إسمع، لقد تأخرنا، لن نقوم بتصوير المشهد اليوم، عد إلى منزلك. ‘ثم رأيت أوديار، وبطريقة ما انتهى بي الأمر راكباً في سيارة واحدة معه ومع عدد من أفراد فريق الإنتاج. كنت على دراية بالفيلم الذي يقوم بتحضيره، وعرفت أنني أرغب في الدور. ولكنني فكرت، يا رجل إبقّ صامتاً ولا تتكلّم. كان ممثل آخر في السيارة معنا، واخذ يتكلم دون توقّف، قائلاً لأوديار، ’أنا ممثل، وأشارك في مسرحية، أود أن أدعوك لمشاهدتها. ‘وقلت لنفسي، أصمت يا رجل، انت مخطئ جداً. عليك أن تصمت، فهؤلاء لا يحبون أن تفعل ذلك. ولكن، كما تعرف، نجح الأمر، وأوديار نظر ناحيتي مرتين أو ثلاث. كان ثمة تواصل بيننا، ولكنني مع ذلك أبقيت فمي مطبقاً."

فلنتأمل لحظة في هذه الحركة القوية. فتلك كانت مخاطرة، لأن حياة الممثل تقوم على لحظات خاطفة، وعلى لقاءات بالصدفة مع مخرجين ذائعي الصيت. وطريقة تصرفك في تلك الأوقات تحدد مصيرك وتغيّر حياتك، لذا فالأفضل لك أن تحسن الاختيار. إنه واقع مبتذل بشكل ما، ولكنه حقيقي، والمواهب التي تضيع لهذا السبب كثيرة. إلا أن رحيم تبع حدسه. ويقول: "كنت نسيت الموضوع بشكل ما، فعلاً. ولكن بعد أن أنهينا العمل على تصوير La Commune ، صادفت أوديار مجدداً، في الحفلة التي أقيمت في ختام العمل. هذه المرة، تحدثنا، وكان هو الذي أتى وبادرني الحديث. أتاني، وقال لي إنه أحبّ عملي في المسلسل. شعرت بسعادة لا توصف. عرفت أيضاً أن ذلك معناه أنني أملك فرصة لتقديم تجربة دور في فيلم A Prophet. وفي النتيجة، حظيت بأكثر من تجربة واحدة، إذ قمت بالتجربة لثمانية أدوار في النص."

في تلك الأثناء، وصلت الأمور إلى مرحلة شعر فيها رحيم بأنه غير قادر على الاستمرار. فقد تعب بعد ثلاثة أشهر من الاتصالات، ومراجعة المشاهد، وتصوير المشاهد القديمة والجديدة. لم يخبر أوديار ذلك، ولكنه في منتصف الطريق، كان رحيم يشعر فعلاً بأنه بحاجة إلى التخلّص من ذلك العذاب. فلتعطه الدور، أو لتنهِ الأمور وتدعه يمضِ في حياته.

ويقول رحيم: "كان ثمّة ستّة مشاهد من الفيلم، ومن أفلام أخرى أيضاً. وأذكر قوله لي، عليك أن تحفظ اثنين منها، فحفظتها كلها. وحين دخلت المكتب، قابلت مدير اختيار الممثلين، وسألني ايّ المشاهد أرغب في أدائه، وأجبت أنني أريد أن أؤديها كلّها."

"ثم أعادوا الاتصال بي لتجربة ثانية، وثالثة، ثم حصل بعض التقدّم، فاجتمعت رسمياً بأوديار بخصوص الدور. ولكن عدنا لمزيد من التجارب، مرة رابعة، وخامسة، وقليل من التقدّم، ثم قمت بأداء مشهد مع ممثلين أعرف أنهم مشاركين في الفيلم. ثم اتصل بي أوديار بخصوص مشهد كان قد أنهى لتوّه كتابته، فعملنا عليه. في المرة الثامنة، كان المشهد عبارة عن مونولوج. وكان عليّ أن أحفظه وأستعد له خلال 24 ساعة فقط. كنت شديد التوتّر، ولكن في النهاية أتتني المكالمة التي انتظرتها بفارغ الصبر، حيث قال لي أوديار بكل بساطة ’حسناً، ما رأيك في أن نعمل على هذا الفيلم معاً؟‘. واتضّح أن هذا الفيلم غيّر حياتي."

ولكن النجاح السريع سيف ذو حدّين. فهو يغيّر حياتك، ولكنه ايضاً يبدّل من طريقة تقديرك الأمور. ويوضّح رحيم: "لا أحد يأتي مستعداً لحدوث مثل هذا الامر. لا أحد. ففي يوم تكون في الظلّ، وفي اليوم التالي تصبح تحت الأضواء." وهنا، استجابته لم تكن في الصمت، بل في السيطرة على الامور بعقلانية. ويقول: "كنت أخشى التصرف بغباء، وأن أقول بأنني نجحت بالفعل وأصبحت نجماً. عرفت أن مثل تلك النجومية أشبه بمرض السرطان، فقررت الذهاب في الاتجاه المعاكس، وغاليت في حماية نفسي، وبدلاً من الظهور في العلن، كنت أبقى في منزلي أستعدّ للدور التالي."

ولكن تلك الأدوار لم تأت على الشكل المتوقّع، فكان ثمة مشروع أميركي-بريطاني متعثّر بعنوان The Eagle حيث كان عليه أن يتعلم اللغة الغاليّة، ثم فيلم فرنسي بعنوان The Free Men حقّق نجاحاً لا بأس به، ولكنه كان بعيداً جداً عن النجاح الذي شهده فيلم A Prophet . وكان في ذلك درس صعب تعلّمه رحيم.

"النجاح (في فيلم  A Prophet) كان مفاجأة هائلة، ولكن، لا تسئ فهمي، كنت أعرف مع من أتعامل. كنت أعرف كم هو ماهر أوديار، وأين يقود الممثلين العاملين معه، ومستوى الأداء الذي بإمكان مهارته أن تأخذه منهم. ولكن، في الأفلام التي تلته، كنت لا أزال تحت تأثير الصدمة إلى حدّ ما. فالنجاح السابق لم يكن طبيعياً، بل كان مميزاً. وذلك الدرس الذي تعلّمته ساعدني على النضوج."
والواقع أن مسألة رغبته في التعلم أساساً هي غاية في الأهمية. ذلك الشغف في الاستكشاف، وعدم التردّد في المخاطرة، هما ما دفع رحيم إلى التقدّم، وإليهما يعود الفضل في مسيرته المهنية وعمله مع مخرجين أجانب مثل كيوشي كيروساوا.

ويقول رحيم في هذا الصدد: "أحبّ أن أتفاجأ، بعملي، أو بنفسي. أنا أحاول أن أعثر على شعور جديد في كلّ عمل. أحاول البحث عن المخاطر، والتحديات. أبحث عن شيء لم يسبق لي القيام به، وعن شيء جديد أتعلّمه، عن لغة جديدة. هذا ما يدفعني ويحفزّني كإنسان."

والواقع أن هوية طاهر رحيم وأصله يقومان بدور هام أيضاً، ولا سيما بالنسبة إلى قوة عزيمته. فحين يكون لديك تسعة إخوة، سرعان ما تتعلّم كيف تحارب لتحصل على ما تريد. ولكن الفضل يعود إلى والديه ايضاً، اللذين غادرا الجزائر إلى فرنسا سعياً إلى أحوال أفضل. ويقول رحيم: "ولدت ونشأت في فرنسا، إلا أن والديّ أحضرا الجزائر وثقافتها معهما إلى حياتنا اليومية. إنها موطني الثاني. لقد علمّاني ايضاً عن أمور الحياة، وعن أهمية الجدّ في العمل، والمشاركة، وأن يكون المرء محترماً. علماني أن أصغي إلى الآخرين، وأن أمد يد العون لمن يحتاجها. كلها قيم من المهم أن تكون لدينا."

"تعلّمت أيضاً أن ثقافتين أفضل من ثقافة واحدة، إذ تصبح أكثر انفتاحاً على العالم. تلك هي أهمية اصلي الجزائري بالنسبة لي." ومع أن رحيم زار الجزائر لأول مرة في الثامنة من عمره، إلا أن التوتر السياسي السائد آنذاك والحرب، أسفرا عن ابتعاده عن الجزائر لمدة عشرين عاماً. ويقول: "تلك الفترة كانت داكنة، وكما تعلم، لم يكن لدينا الكثير من المال، لذا حين كانت والدتي تذهب إلى هناك، لم تكن قادرة على اصطحابنا كلنا معها، فكانت تصطحب شقيقي الأكبر.

"وريثما هدأت التوتّرات، أعترف بأن أولوياتي في الحياة كانت قد تغيّرت. كنت شاباً وكنت أرغب في الذهاب إلى أماكن مختلفة مع أصدقائي، مثل الذهاب إلى حفل في إسبانيا، وغيرها، ولم أكن أريد أن أفوّت ذلك. إلا أنني في مرحلة ما، تبيّن لي أنني يجب أن أعود إلى الجزائر، فعلاً، وشعرت أنني غادرتها في الأمس فقط. كنت بصحبة عائلتي، وأهلي، كنت في موطني."

ولا يزال أعمام وعمات وأقرباء رحيم يعيشون هناك. وجوه مألوفة مع أنها بعيدة، وهو تمكّن من التعرّف إليهم على مرّ السنين. ويقول: "أذهب إلى قريتي، وأقيم مع عائلتي، نتشارك الحياة ذاتها، وهذا رائع. إنهم فخورون بي وبأن لديهم في العائلة ممثلاً جزائرياً شهيراً. ويقولون لي إنني أمثّل قريتنا، ووطننا."

وهذا بدوره يشكّل ضغطاً إلى حدّ ما. فحياة الممثل العربي مختلفة بعض الشيء الآن، حيث ابتعدت عن النمطية المتعلقة بالإرهاب، والخطف، وتلك الأدوار االتي كانت توكل إلى الممثلين العرب طوال حقبات. في هذا الوقت تحديداً، كل الاحتمالات مطروحة.

"طوال عشر سنوات، كان عليّ أن أكون انتقائياً للغاية في أدواري." يقول رحيم. "وانا أنظر إلى المسألة على هذا النحو: إنها مسؤوليتي كممثل. إذا كنت ستقبل بأي دور يعرض عليك، فلن تؤثر في العالم، بل سوف ترسّخ النمطية. ونصيحتي هي، حتى ولو شعرت بالرغبة في القبول، إذا كان الدور لا يناسبك، ارفضه وحسب."

وهنا يرتقع صوت رحيم بعض الشيء ويقول بحماس: "هؤلاء الناس موجودون، العرب موجودون. نحن هنا، لدينا تاريخ، كلنا. الأفلام عبارة عن وثائق سوف تُشاهَد بعد قرون من الآن، ولدينا مسؤولية إخبار الناس في المستقبل كيف كان العالم اليوم. الأفلام توثّق الزمن، والناس، والأزياء، والسيارات، وأسلوب العيش، والمشاكل السياسية، والتاريخ. كل الناس يجب أن يكونوا ممثلين. الأمور تحسّنت بعض الشيء. الآن لدينا أدوار حقيقية، أدوار جيّدة. أنظر إلى رامي مالك على سبيل المثال. إنه يقوم بدور فريدي ميركوري. ما كان ذلك ممكناً قبل عشر أو خمسة عشر عاماً."

ولكن، بالطبع، مقابل كل رامي مالك، ثمة ممثل كادح يسعى إلى كسب عيشه. ولا يلبث الكل أن يشعر بالمغبّأت المالية. فالمبادئ ثمنها غالٍ، وعليك أن تكون متأكداً من وجهتك. عليك أن تتحلى بالفكر المناسب.

ويقول رحيم: "عملي لم يعد يسبب لي التوتّر كما كان في الماضي. فحين تكون في مقتبل العمر، تنقصك الخبرة... فتتوتّر. ولا بأس في ذلك، لأنه أمر طبيعي. ولكن، بعدما أصبحت أباً، كل شيء تغيّر. يبدو الأمر نمطياً، ولكنه واقع. أعود إلى المنزل، نلعب قليلاً، وهذا رائع. من خلال أسرتك يمكنك أن تبني نفسك كإنسان، وذلك اهمّ بكثير من بناء نفسك كممثل. ولكن، تلك عملة بوجهين. فإن كنت تشعر بأنك تجيد عملك كإنسان، ستصبح ممثلاً أفضل."

وتلك الجملتان الأخيرتان تصفان رحيم بدقّة. فأولوياته واضحة، ولطالما كانت كذلك. بالنسبة له العائلة ورحلة الحياة هما كل ما يهمّ، أما ما عدا ذلك فيضمحل ويبهت. ويقول رحيم: "الأطفال يذكّروننا بكل ما هو مهمّ في هذه الحياة. ابني يسعد حين يتناول وجبة جيدة، أو حين نذهب في نزهة. أنظر إليه وتختفي متاعبي. هو لا همّ لديه، إنه مثل قطّة. يأكل، ينام، ويلعب. الحياة حلوة."

وسواءٌ أتحقق مشروع نتفليكس أم لا، فرحيم يعمل، ويكدّ، مع فيلم وعدد من المسلسلات التلفزيونية في الولايات المتحدة، إلى جانب فيلم فرنسي ايضاً. ولن يفاجئك أنك لن تعرف عن تلك المشاريع أكثر من ذلك.

من السهل أن ينتقل طاهر رحيم إلى مرتبة النجومية الأولى، فهو يملك تلك الأهلية، أن يكون ذلك الشخص الذي يخرج من المجهول ويسطع في أضواء الأوسكار والغولدن غلوبز. ولكن، ربما لن يفعل. ربما سيبقى ذلك الممثل صاحب القدرات الهائلة، ذلك الممثل الذي يظهر بين الحين والآخر في فيلم ما فيأسرك.

ولكن، شيء واحد أكيد في كل هذا: مهما يكن الأمر، سوف يتابع طريقه الخاص.

القلق والتوتّر للممثلين الآخرين، أما طاهر رحيم فهو يترك عمله يتحدّث عنه.

تصوير: ستيفاني غاليا
تنسيق الأزياء: سالي آن بولتون