كيف تكون أكثر إنتاجية في العمل

By ADAM BAIDAWI
19 September 2018
عمل, مقالات
Giphy
الهواتف وفيسبوك والاجتماعات العقيمة، كلها تقضي على يوم عملك. مجلّة GQ تستعلم عن كيفية الحصول على أقصى استفادة من ساعات عملك، من الرجل الذي جعل من الكفاءة شركة بمليارات الدولارات.

لطالما كانت الإنتاجية هاجساً لكل من عظماء الرجال الباحثين عن التفوّق.

فمن المعروف على سبيل المثال أن بنجامين فرانكلين كان يحتفظ بمذكرات عن كل ساعة يقظته، فيحدد الوقت لكل مهمة، بغض النظر عن مستوى أهميتها، وحتى لو كانت تتعلق بترتيب الأغراض السائبة. ولكن، على الرغم من كون مثل هذه الجدولة الدقيقة مثيرة للإعجاب، يمكننا أن نتخيل كيف يمكن أن تبدو لائحة الأعمال الواجب القيام بها بالنسبة إلى بنجامين فرانكلين لو كان عليه أن يضيف إليها عوامل تشتيت الانتباه مثل رسائل إنستغرام المباشرة، وطلبات الإضافة على لينكدإن، وصولاً إلى الفواتير الإلكترونية.  

نعم ، نحن نعيش في أوقات تعتمد على البريد الوارد. عصر يهيمن عليه الضوضاء وانعدام الكفاءة، والأهمّ، ذلك الداء المعدي الذي يتمثل في اجتياح المعلومات. لكن، وسط كل هذا، شركة واحدة تقول إننا لا نحتاج إلى أن نكون كذلك، ألا وهي "سلاك"  Slack.

بعد مرور خمس سنوات على إطلاق هذا التطبيق، يبدو أنه يحظى بثقة ثمانية ملايين مستخدم- كما هي الحال مع أمازون، التي وردت أخبار بأنها تتطلع إلى الاستحواذ على هذه الشركة بعرض قيمته 12 مليار دولار.

"سلاك" Slack هو تطبيق يعد بتخليصنا من كل العادات التي تسفر عن تضييع الوقت، والتقليل من الإنتاجية، لتعيد فرق العمل لما كان يشكّل سرّ النجاح، ألا وهو العمل الجماعي. والإثبات حاضر بشدّة، حيث لا يزال كال هندرسون، الشريك المؤسّس، ورئيس قسم التكنولوجيا في الشركة، يعمل مع فريقه من دون الاضطرار إلى تبادل الرسائل الإلكترونية على الإطلاق.

ويمثّل هندرسون وفريقه موجة جديدة من الساعين إلى أقصى درجات الإنتاجية، أولئك الذين يعيشون وفقاً لفلسفة تمنح الأفضلية للحياة على الرسائل الإلكترونية المتبادلة بعد منتصف الليل، والتعاون المثمر على المشاريع المحفوظة طيّ الكتمان. 

والسؤال المطروح هنا، ما الذي قد يعلّمنا عدم تبادل الرسائل الإلكترونية طوال خمس سنوات عن كيفية تحقيق الإنجازات في العمل؟  في الواقع، الكثير.

المحافظة على التركيز

إنها ظاهرة مألوفة: إنك في حالة من النشاط والتركيز التام، ولائحة الأعمال التي يتوجّب عليك القيام بها آخذة في التقلّص أمام ناظريك، ما يجعل قلبك يفيض فخراً لإدراكك بأنك استفدت لأقصى حدّ من كلّ دقيقة من يومك.   

ولكن، لا تلبث أن تجد نفسك باحثاً بين ملفّاتك عن نسخة قديمة لإحدى الوثائق، ثم يتوجّب عليك أن تدخل إلى نظام من طرف ثالث يطلب منك أن تعيد إدخال كلمة سرّ جديدة، قبل أن يجبرك على تنزيل تحديث لأحد التطبيقات.

وفجأة، تجد أن ذلك الحماس قد اختفى، وأنك عدت إلى نقطة الانطلاق. ويقول هندرسون: "إنه ذلك الوقت حين تحاول أن تتذكّر أين وضعت ذلك الملف: كيف وصلني؟ هل عليّ أن أذهب إلى غوغل درايف؟ أم هل هو في Dropbox؟ أو مرفق بالإيميل؟ هل عندي النسخة الأحدث منه؟" ويضيف: "إنه ذلك النوع من السيناريو المرعب الأشبه بالكابوس."

والحلّ الذي يقدّمه "سلاك" Slack بسيط للغاية، وهو عبارة عن بناء التواصل بشكل قنوات، بدلاً من محادثات. فذلك النوع من التواصل المستمرّ، والذي يربط بين أعضاء فرق العمل، أو أولئك العاملين على مشروع محدّد، يقلّل من الحاجة إلى إضافة البريد الإلكتروني إلى أسلوب الحوار.

أمّا الحلّ الثاني الذي يأتي به تطبيق "سلاك" Slack فهو الملحقات التكميلية Plug-ins.

والتطبيقات الشهيرة من مزوّدين مثل غوغل وDropbox تعمل بسلاسة بين أعضاء الفريق الواحد دونما الحاجة إلى تبادل الروابط الذي يسفر عنه وابل من الطلبات بالبريد الإلكتروني في لحظة من الغفلة يمكن أن يضيّع عليك ساعات من الإنتاجية. 

فبحسب دراسة قامت بها جامعة كاليفورنيا عام 2008، يستغرق الإنسان 25 دقيقة تقريباً لكي يستعيد حبل أفكاره وتركيزه الكامل، و"تغيير هذا الواقع يعتبر هدفاً نبيلاً بحدّ ذاته."

الشفافية

هل تذكر آخر مرّة بدأت فيها عملاً جديداً؟ هل تذكر يومك الأوّل؟ تذكر علبة واردات البريد الإلكتروني النظيفة والفارغة تماماً، وما يرافق ذلك من شعور بالعزلة وانعدام الفائدة حيث تشعر بأنك منقطع تماماً عما يدور في المكتب من حولك؟ هذه الطريقة لا تناسب البدء بأي شيء، كما يقول هندرسون.

ويضيف: "رسائل البريد الإلكتروني بطبيعتها كثيرة جداً، والحفرة العميقة التي تقع فيها بسبب الإيميل مردّها إلى أنه من السهل جداً أن ينحصر الحوار بين شخصين فقط، مع أن تلك المحادثة لم تكن بأي شكل عبارة عن سرّ بين هذين الشخصين فقط، ولكن الأمر يبدو أسهل بهذه الطريقة."

وهنا تكمن الفائدة الكامنة في استعمال أداة مثل "سلاك" Slack. فعندما تكون الدردشات مباشرة ومحفوظة وقابلة للقراءة من قبل الكثيرين، يمكن للبادئين الجدد أن يتعلّموا مبادئ العمل في هذه الشركة أو تلك بطريقة أشبه بالتناضح. مبادئ مثل كيف يتمّ اتّخاذ القرارات، وكيف يتمّ العمل على المشاريع، والأمور التي قد تستغرق في العادة الكثير من وقتك الإنتاجي.

ويقول هندرسون، إن أيام المشاريع المعزولة أصبحت معدودة، وحين تبتعد المحادثات عن الثقب الأسود الذي يتمثّل في علبة البريد الإلكتروني الوارد، يحصل الآخرون، وأعضاء الفرق الأخرى، على فرصة الوعي بما يدور من حولهم. وهذا ما سيدفعهم في معظم الأحيان إلى القيام بمبادرات غير متوقعة للتواصل، وتقديم الآراء المفيدة أيضاً غير المتوقّعة. ويضيف هندرسون: "إذا كان ثمة فلسفة ما نجحنا في إرسائها، فهي المزيد من الشفافية في العمل. فهذا يزيد من معدّل المعرفة العامة والدراية بما يعمل عليه بقية أفراد فريق العمل، الأمر الذي سوف يضاعف بشكل كبير مستوى التعاون، حتى ولو لم يكن ذلك متعلّقاً بفريقك المباشر."

تعزيز الخبرات الإلكترونية

مع اتّجاه عدد كبير من القطاعات نحو الفضاء المكتبي المفتوح والمكاتب الجماعي لفرق العمل على المشروع المشترك، ونحو الاتصال، والتعاون القائم على المحادثة، من المرجّح أن يصبح الذكاء العاطفي أكثر أهمية حتى بالنسبة إلى فرق العمل، وإلى مستوى الإنتاجية.

ويقول هندرسون: "أصبحت أنواع المعرفة في العمل على اختلاف أنواعها تزداد اعتماداً على التعاون أكثر فأكثر.. فمهما يكن قطاع عملك، أصبحت قدرتك على العمل مع الآخرين، والمهارات مثل تفهّم الآخرين، تملك المزيد من الأهمية." 

الوصول إلى صُلب الموضع

"الإيميل هو صرصار الإنترنت"، كما يقول تسيوارت باترفيلد، شريك هندرسون.

ويردف هندرسون متابعاً بضيق واضح: "في البداية كان عبارة عن نسخة رقمية للمذكّرات المكتبية وحسب. فثمّة الكثير من الرسميات التي ترافقه، بدءاً بعنوان وموضوع الرسالة، وإلى التحية في البداية، والسؤال عن حال متلقي الرسالة، ومن ثم تطرح ذلك السؤال الذي تودّ الاستفسار عنه. اي أن عليك أن تمرّ بكلّ تلك الترهات قبل أن تصل إلى الفحوى الحقيقي لرسالتك."

وهنا، القاعدة الجديدة تتمثل في ما يلي: خفّلإ من كثافة المعلومات. وتذكّر أن المسألة لا تتعلّق بالوقت الذي تضيّعه في قراءة تلك التفاصيل غير المجدية وحسب، بل أيضاً الوقت الذي تضيّعه في كتابتها.

هل يجدر بك الخروج من اجتماع غير مجدٍ؟

قد يكون إيلون مسك أكثر عباقرة العالم انشغالاً. فعدا عن أنه يعمل كما يقول على حلّ مشكلات الطاقة الخاصة بجنوب أستراليا، هو ايضاً الرئيس التنفيذي لكلّ من Tesla وSpaceX ومؤسّس شركة التكنولوجيا العصبية Neuralink وشركة The Boring Company التي تعمل على مشروع نفق غامض منذ العام 2016. لذا فليس مستغرباً أن يكون قد شكّل بعض النصائح حول الإنتاجية يعتبرها البعض تقدّمية للغاية. حيث يقول مَسك:

"غادر غرفة الاجتماع، أو قم بوضع حدّ لمكالمة هاتفية ما، إذا كان من الواضح أنها لن تشكّل أي قيمة إضافية. فمغادرة غرفة الاجتماع لا تعتبر فظاظة، بل الفظاظة أن تبقى وتضيّع وقتك."

قد لا تكون في وضع يسمح لك بمغادرة اجتماع يعقده مديروك في العمل بكلّ بساطة، إلا أن الاقتراح الذي قدّمه "مَسك" يمثّل في الحقيقة فرصة مثالية لمراجعة حساباتك في هذا الشأن. حيث يقول هندرسون: "من السهل فعلاً أن تقع في الفخّ المعتاد ومفاده "حسناً، أمامنا ساعة من الوقت، فمن الأفضل أن نتكلّم طوال ساعة حتى ولو لم يكن لدينا أي شيء نتحدّث عنه."

أما نصيحته في هذا الشأن فهي أن تقلّص عدد المدعوين إلى الاجتماع. التزم بالجدول المحدّد وعيّن شخصاً من أصحاب القرار لكي تتجنّب الأخذ والرد والمحادثات العقيمة، فكما يقول هندرسون: "النظام في الاجتماعت يساعد فعلاً في المحافظة على التركيز وعلى الإنتاجية."   

 خمسة نصائح (إضافية) حول الإنتاجية

1.  سوف تستغرق وقتاً أطول مما تعتقد

أكدت دراسة نشرت في مجلة "الشخصية وعلم النفس الاجتماعي" ما كان الآخرون يشتبهون به منذ فترة طويلة: نحن جميعاً سيئون فعلاً في التخطيط لمواعيد العمل. فابدأ بتحديد موعد لتسليم المشروع، ثم موعد بديل في حال حدوث خطأ ما. فالعلم أثبت أن الوصول إلى التنظيم المثالي سيستغرق وقتاً أطول قليلاً من ذلك.

2. الاستراحة المنظّمة أثناء العمل أكثر فائدة

أنت شخص ذكي وتعرف مدى فاعلية الاستراحات القصيرة أثناء العمل - وهذا هو السبب في أنك تمدّ رجليك أثناء فواصل العمل، وتروي لزميلك باختصار ما حدث في الحلقات الأخيرة التي شاهدتها من مسلسلك المفضّل. لكن دراسة لكلية إدارة الأعمال بجامعة كولومبيا تقترح عليك أن تأخذ الاستراحات هذه إلى مستوى أكثر تقدّماً: فالعمل يكون أقلّ تعقيداً وإشكالية وأكثر فاعلية عندما تكون الاستراحات منتظمة ومنظّمة.

3.  لا تنتظر التحفيز

تقول الطبيبة النفسانية شوما موريتا: "هل من الصحيح أن نفترض أننا يجب أن نتغلب على الخوف من المرتفعات بممارسة الغطس من مكان مرتفع، أو أن نزيد ثقتنا بنفسنا قبل أن نطلب من أحدهم موعدًا؟" "إذا كان الأمر كذلك، فإن معظمنا لا يزال ينتظر القيام بهذه الأشياء". والعبرة هنا إن انتظار "التحفيز" هو لعبة الخاسرين.

4.  هاتفك ليس صديقك

خلُصَت دراسة حديثة أجرتها جامعة ولاية فلوريدا إلى أن الطلاب الذين احتفظوا بهواتفهم على مكاتبهم - حتى عندما لم يستخدموها - كان أداؤهم أسوأ بكثير في المهام الذهنية من أولئك الذين أبقوها بعيداً عن الأنظار. لذلك، ضع هاتفك في جيبك، واحتفظ به في وضع صامت، وستحصل على وقت كافٍ لاستخدامه في وقت لاحق.

5.  الاستفادة القصوى من الصباح

إن الفترة الزمنية مباشرة بعد الاستيقاظ الكامل هي الفترة الأكثر إنتاجية بالنسبة لنا. ولكن لسوء الحظ، يميل معظمنا لاستخدامه في تأمل الإنستغرام وملاحقة التعليقات على تويتر. ولعل الأجدر هنا أن نستمع إلى نصيحة الأخصائيين النفسيين والإبداعيين الذين يصرّون على أننا يجب أن نواجه أصعب مهمة في اليوم، في بداية اليوم.

أو، كما قال مارك توين: "تناول ضفدعاً حيّأً في الصباح الباكر، ولن يحدث أي شيء أسوأ لك طوال اليوم". مسألة فيها وجهة نظر.

المقالة من  GQ Australia