كيف ألهم أدونيس جيلًا

By نصري عطالله
02 November 2019
أحد أكثر الشعراء تأثيرًا في جيل واحد، أدونيس البالغ من العمر 89 عامًا أثار جدلًا وتلقى تهديدات بالقتل وأكثر من ذلك. ولكنه دائمًا يبقى وفيا لكلمته

إنه صباح يوم السبت، وقد وصلت إلى حي لا ديفينس La Defense في باريس لمقابلة أدونيس، الرجل الذي يشار إليه دائمًا باعتباره أعظم شاعر عربي حي. البناية التي يسكنها عبارة عن برج خرساني مكون من 37 طابقًا يحدق بتحدٍ إلى البنايات الزجاجية الأحدث التي تحيط به، والتي تضم بعضًا من أكبر الشركات الفرنسية. المبني المنتهي بنائه عام 1975 ليس نوع المبنى الذي تفكر فيه عندما تفكر في باريس، إن كنت لا تعرف باريس.

في نهاية المطاف، أصل إلى الطابق التاسع وأجد الشقة بالضبط كما كنت أتوقع – وآمل – أن تبدو. الكتب تغطي كل شبر من الجدران، مكدسة كطاولات جانبية مؤقتة. أغلفة كتب منثنية وقواعد فنية كبيرة على حد سواء. هناك أوراق تطفو ومجلدات تنظم الأفكار وذكريات موجودة في إطارات تنتشر في غرفة المعيشة ومنحوتات ولوحات – بعضها من أعمال أدونيس الخاصة. وبعض الجوائز في الزاوية.

إنهم يشعرون وكأنهم الأقل عرضًا والأقل تفاخرًا من العناصر الموجودة في المنزل، وهي مكدسة. وكأنها التزام.

أبدأ بشرح سبب وجودنا هنا. أن GQ تكرم رجال هذا العام، وأيقونة عربية واحدة. أشير نحوه. ينظر باندهاش: "أنا الأيقونة؟ حسنًا، هيا بنا." أخبره أن العديد من القراء قد لا يكونون على دراية بالشعر العربي أو اتساع نطاق عمله وأطلب منه نقطة انطلاق لأي شخص فضولي.

"الشعر مثل الحب. إذا كانت هناك نقطة انطلاق فيما يتعلق بالعالم والإنسانية، فلا يمكن أن يتم ذلك إلا من خلال الحب. الشعر يشبه الحب في علاقته بالعالم." لا يوجد أي نقطة يمكن أن يساعد بها إذن. تحتاج إلى العثور عليها وحدك. دعنا نحاول.

قارنت مايا جاغي، الكاتبة في صحيفة الجارديان، "تأثيره الزلزالي على الشعر العربي" مع تأثير تي إس إليوت في العالم الناطق باللغة الإنجليزية. يعتبر الكثيرون أنه حُرِم ظلمًا من جائزة نوبل في الأدب، والتي تم ترشيحه لها بانتظام منذ عام 1988 وأصبح منافسًا دائمًا. شعره الأبيض به فرق في المنتصف، مأطرُا وجهه ولامسًا كتفيه. إنه حاذق وحاد، وعلى بعد أشهر فقط من عيد ميلاده التسعين. أجد نفسي أحلم أن أكون في السبعين في نصف قوته. هل يقلق على إرثه؟

"أبدًا. إذا كان الشعر مثل الحب، فمهما كان تعمقك فيه، لا تزال تشعر كما لو أنك لم تحقق شيئًا. أنا فقط أهتم بالمستقبل. كل ما يمكنني رؤيته هو ما هو أمامي. لا يزعجني ما فعلته بالفعل. خاصةً وأنا من جزء من العالم مشغول بماضيه، مولع بالنظر إلى الخلف. كان ردي على ذلك هو التطلع إلى الأمام فقط، والنظر في أنني لم أفعل شيئًا بعد."

إذا نظرت إلى الوراء، في السنوات الأخيرة بعيدًا عن الشعر، وجد أدونيس نفسه في خضم بعض الجدل حول افتقاره للحماس في الأيام الأولى للثورة في وطنه الأم، سوريا. هل هو نادم؟ "لست نادمًا على أي شيء. حتى أخطائي. لا يمكنك فعل الصواب إذا لم تقبل بأنك ستفعل أشياء خاطئة. هذه واحدة من لعنات العالم العربي؛ في مجتمعنا، نحن لا نقبل أخطائنا. نحن نوجه أصابع الاتهام إلى الآخرين."

أدونيس نفسه ثوري، يعود إليه الفضل في تحرير الشعر العربي من موضوعاته وأشكاله وآياته التقليدية. لكن حتى كشخصية، فهو ليس بعيدًا عن الجدل. كان عرضة للطرد من اتحاد الكتاب العرب، وتلقى تهديدات بالقتل ودعوات لإحراق كتبه بسبب انتقاده للقيم التقليدية. إنه علماني بشدة وهو نتاج أخلاقيات التحديث والثورية في الخمسينيات والستينيات. يقعقع بنقد: "هناك انحدار. الوضع اليوم أسوء مما كان عليه في الماضي. هناك العديد من المشكلات في طريقة تعاملنا مع الثورات. هل يمكن أن تحدث ثورة في بلد لا توجد فيه نساء؟ حيث يملكون النظام لكن لا يملكهم؟ يجب تحرير النساء قبل أن تحدث الثورة ."

بعيداً عن التغييرات الهيكلية في بلدان بأكملها، أتساءل إن كنا لا نزال نعيش في عالم يمكنه أن يقبل الشعر، أم أنه قد تم تنحيته جانباً؟ "ما يخسره الشعر هو أفقي. جمهوره يتضاءل. لكن بالنسبة للأشخاص الذين يتعاملون معه، فإن علاقتهم أعمق. لذلك يكسب عموديا، في العمق. دور الشعر في الواقع أهم الآن. الشعر كان الترفيه الشعبوي. الآن يساعدك على فهم نفسك والعالم والآخر."

لكنه حذر من تسليح الفن بالسلطة في جميع أنحاء العالم. لا يقتصر نقده على العالم العربي. "السلطة تستخدم كل ما في وسعها. تحاول السلطة استخدام الكلمات بالطريقة التي تستخدم بها المال والإعلام. الكلمات لها سلطة. هذا هو الشيء الأهم بالنسبة للشاعر. عدم السماح للسلطة باستخدام كلماتك لتحقيق غاياتها. اليوم حتى في أوروبا، أصبحت الثقافة وظيفة. عمل. حتى الشعر ... تموت اليوم أمم بأكملها ولا يقول المثقفون شيئًا. هناك هيمنة على الفن الآن. الفنان الآن موظف. وبالتالي يفقد الفنان دوره."

هل لديك امل في العالم العربي؟ "لا يمكنك أن تشعر باليأس من الناس؛ من الأفراد. لكنني أشعر باليأس من كل الأنظمة. العرب ينجزون في الخارج، وليس في بلادهم. هؤلاء العباقرة لا يظهرون في بلادهم، بل يظهرون في مكان آخر. لا توجد مؤسسات يمكنها دعم هؤلاء الأشخاص."

خارج العالم العربي ، تُرجمت أعمال أدونيس إلى 20 لغة. والمثير للدهشة أنه حقق نجاحًا هائلًا في الصين. "أول كتاب نشرته كان هناك عام 2009، وهو الآن في طبعته الثلاثين!" كيف يفسر هذا؟ هل هناك اهتمام خاص بالعالم العربي؟ "لديهم رغبة في المعرفة. عليك أن تكون حذرًا تجاه كل ما تسمعه عن الصين في وسائل الإعلام الغربية. كالعادة!"

أنا مهتم بعلاقته بالترجمة، وأثق كثيرًا في شخص ما لإعادة تفسير شعره. "هب أن شخصًا كتب عن الحزن. حزني شيء وحزنك شيء آخر. الترجمة هي ابتكار جديد. لترجمة الشعر، يجب أن تكون شاعرًا ... على سبيل المثال، قيل لي إنني الشاعر الأجنبي الأنجح في الصين. ما يعنيه ذلك هو أن المترجم ناجح. يتفاعل الناس مع ترجمته."

بينما نطل على باريس، ونغرق في أدوات العمل الإبداعية للحياة، أتساءل عن علاقته بالمدينة التي اعتبرها الوطن منذ عام 1985. هل هذا منفى كما وصفه الكثيرون؟ "لا منفى لي. حالما يخرج الإنسان من الرحم، يُنفَى. المنفى كلمة سياسية. الأمة هي المكان الذي تعيش فيه بحرية. ليس والدك أو والدتك أو قبيلتك. لهذا السبب لا أشعر بالمنفى. أشعر بالحرية هنا. أشعر باحترام حقوقي. يشير إلى صدره ببطء وبطريقة متعمدة: "المكان الوحيد الذي يمكن أن أُنفى فيه هو الداخل، إذا لم أتمكن من التعبير عن نفسي."

المصور: آدم بيتر

كتب: نصري عطالله