كيف ننظر للأخطاء بطريقة إيجابية

By CLAY SKIPPER
18 September 2018
مقابلة, مقالات, علم نفس, نصيحة
وجدت الدراسات أن آلية عمل أدمغتنا الطبيعية تدفعنا لاتخاذ القرارات الخاطئة. وبفضل الكاتبة ولاعبة الورق آني ديوك أصبحنا نعلم الطريقة الصحيحة للتعامل مع ذلك.

لربما من السهل أن تتذكر آخر مرة اتخذت فيها قراراً غبياً، كاستثمار مدخراتك في شركة بلاك بيري أو لعب كرة القدم على الرغم من افتقارك للياقة البدنية المطلوبة والتسبب بإصابة قدمك إصابةً بليغة. وعلى الأغلب أنك لست نادم على اتخاذ هذه القرارات بل ندمك يتمحور حول النتيجة التي آلت إلى عدم حصولك على اليخت الذي حلمت بالحصول عليه والسفر في البحر المتوسط أو رصيد بنكي من الأموال الطائلة، أول ببساطة إصابة قدمك البليغة. وما يحصل ليس نتيجة لنوعية اختياراتنا لأن النتيجة خارجة عن سيطرتنا. وهذا يولّد شعور بالراحة والخوف في الآن ذاته، حيث يجب إلا أن تلوم نفسك، لكن للأسف الحياة هي نتاج الحظ السيء والمعلومات التي لم نكن نملكها عند اتخاذنا لقراراتنا.

تتأمل آني ديوك، الخبيرة الاستراتيجية في هذه الفكرة وتتحدث عنها في كتابها Thinking in Bets: Making Smarter Decisions When You Don't Have All the Facts "المراهنة في التفكير: اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً عندما لا تمتلك كل الحقائق". تعرفت آني في بادئ الأمر على اتخاذ القرارات الاستراتيجية بفضل ألعاب الورق مع والدها وشقيقها، وبينما كانت تراقب أمها وهي تخوض معركة متعبة مع المرض، أدركت عندها عدم اليقين في مجريات الحياة. وتقول أنها امتلكت الخيار: "إما أن يدمّرها الحزن على والدتها، أو أن تتعلّم كيفية تقبّل الأمور والمُضيّ قُدُماً". وهكذا، اختارت أن تدرس مجاليّ الأدب الإنجليزي وعلم النفس، قبل أن يتم منحها زمالة المركز الوطني للعلوم الإنسانية لدراسة علوم الإدراك في بين. وقبل أن تنهي دراستها انتهى بها المطاف في لعب الورق في مونتانا، وحولت فترة الاستراحة هذه إلى مسيرة مهنية استمرت لما يقارب العقدين من الزمن، وهو ما يُظهر قمة التقبل لغموض الحياة وتغير مسارها المفاجئ.        

انطلقت آني من الأفكار التي تعلَّمتها وأبرزت تلك الأفكار بأمثلة تُحاكي حياتنا اليومية، فبدأت رحلتها في استكشاف تأثير تركيبة العقل البشري على جعل الناس أكثر عرضة لارتكاب الأخطاء. وأوّل الحقائق التي اكتشفتها كانت أننا لا نمتلك كبشر القدرة على تقدير قراراتنا بشكل موضوعي، بل قراراتنا مرتكزة على احتمالات غير ثابتة لأننا نفضّل أن نتعامل مع الأمور حسب المبدأ الثنائي (إما صح أو خطأ). كما نولي اهتماماً كبيراً لكوننا على "صواب" أو "خطأ"، ونتأثر كثيراً بالأخبار الزائفة (لأنه حسب نظرية التطوّر، من السهل إن سمعنا حركة أغضان الأشجار أن نقول "إنه أسد! لنهرب بسرعة!" بدل أن نقول "هل هذا أسد؟ لنتدارس الحقائق في البداية"، وكثيراً ما نخلط بين ما ينتج عن قراراتنا الخاصة وما يتسبب به الحظ.

وتقول آني، إن حاولنا فهم تحيّزاتنا الخفيّة وتعلّمنا تقبّل عدم اليقين، سنصبح أكثر ثقة بأنفسنا وأكثر عطفاً واسترخاءً في تعاملنا مع عالم مجهول.   

جي كيو: لمَ نخف من الحيرة والغموض؟

آني ديوك: دائماً ما نحاول الربط بين الأحداث، فنريد أن يكون ما حولنا مألوفاً ويسير ضمن هيكل محدد. وتبعاً لنظرية التطوّر، أنت بحاجة لطريقة التفكير هذه. من المهم لنا على سبيل المثال أن نتعرّف على وجوه أمهاتنا. وجميعنا يبحث عن اليقين، ويعود ذلك لتركيبتنا البيولوجية.

وكلما أصبحت أكثر ارتياحاً حيال الغموض والحيرة، كلما كان ذلك أفضل لك. فهكذا يسير العالم بأكمله. ستصبح بذلك أكثر هدوءاً وعطفاً على من حولك وعلى نفسك أيضاً. لن تنجح مخططاتنا دائماً، فيمكن أن نتخذ أفضل قرار في العالم، وتؤول النتيجة في نهاية المطاف إلى الأسوأ. كما يمكن أن تتخذ القرار الأسوأ على الإطلاق وتنجح الخطة في نهاية المطاف.

إذاً، لمَ نجدُ صعوبة في فصل النتيجة عن القرار؟

يُدعى ذلك: آلية تفكير "النتيجة المترتبة على القرارات"، مما يعني إن كانت النتيجة سيئة، هذا يعني أن القرار كان سيء والعكس صحيح.    

وأفضل مثال على ذلك: الخطأ الذي ارتكبه بيت كارول في دوري السوبر بول، فبدلاً من أن يرمي الكرة من أقرب خط للهدف ويفوز الفريق في الدوري، اختار أن يمرر الكرة لزميله فتمّ اعتراضها وخسر فريق سيهوكس مباراة كانوا ليفوزوا بها لولا ذلك القرار.

كانت عناوين الأخبار غير رحيمة، وبعضها قال "أسوأ لعبة في تاريخ كرة القدم الأمريكية سوبر بول". اتّخذ بيت قراره بناءً على تفكير وحسابات جيدة ودقيقة، ناتجة عن تحليل معمّق. لكن بإمكانك أن تجرب تغيير طريقة تفكيرك على النحو التالي: ماذا لو بدلاً من اعتراض الكرة، استطاع زميله الإمساك بها وفاز الفريق بالمباراة؟ كيف كانت ستبدو عناوين الأخبار حينها؟  

يتعين ألا تؤثر نتيجة القرار على نوعه سواء كان جيداً أم لا. كان القرار جيد بغض النظر عما إذا التقط زميله الكرة أم لا. لا ينبغي أن تتغير العناوين الرئيسية بناءً على النتيجة. هذه هي مشكلة التعامل مع الظروف حسب النتيجة، فما يحدث هو أننا نتخذ هذه النتيجة السيئة كإشارة لنوعية القرار الذي تم اتخاذه، ونقوم بتغيير الطريقة التي نتخذ بها القرارات في المستقبل بناءً على هذه النتيجة الواحدة، لكن الحظ يلعب دوراً كبيراً في الحياة.

لننظر كمثال آخر إلى طريقة تحليل نيت سيلفر إلى نسب التصويت للمرشحين، وكيف يفشل الناس بالتفكير حسب النسب. أظهرت نسب التصويت أن ترامب يمتلك فرصة بنسبة 30 بالمئة للفوز بالانتخابات الرئاسية، وكان الجميع يقول، "لا، القوائم الانتخابية خاطئة على الأغلب". والحقيقة هي أن "30 بالمئة ليست 0 بالمئة".      

في الواقع، نسبة الصفر في الانتخابات أبعد ما تكون عن نسبة 30 بالمئة. فلنقل أنّني أخبرتك بأن لدي مسدس يحتوي تسعة حجرات للطلقات، وأن في المسدس 3 طلقات فقط، هل ستقبل أن نلعب لعبة إطلاق النار على بعضنا البعض؟ بالطبع لا. أعتقد أننا بحاجة لنكون مسؤولين وأن نتحكم بما هو داخل إطار إرادتنا. هنا تكمن مشكلتنا.

ما اعتقدت أنه مثير للاهتمام حقاً هو كيف تلقى نيت سيلفر انتقادات لا تصدق بعد نشره لهذا التصريح، في حين أن نيت كان يتكلم بحكمة. كان يقول: "سيفوز ترامب بالتصويت 35% من مرات التصويت". سأعيد مرة أخرى، إذا أعطيتك بندقية تحتوي 100 حجرة للطلقات، 35 منها مملوءة بالطلقات، هل أنت مستعد لتصويب البندقية نحو رأسك؟ ما حدث هو أن نسبة 35 بالمائة لم تؤخذ بعين الاعتبار، وكان يتم الإعلان فقط بشكل تقريبي. وعندما رأوا 65 في المئة، خلصوا إلى أن هيلاري كلينتون ستفوز بالانتخابات. وكي نكون أفضل في التواصل ليصدقنا الجميع ويثق بنا من يستمع لنا، ويرانا كمثقفين نتمتع برأي يستحق الانتباه، نحتاج إلى التعبير عن الأمور بثقة ويقين. لن يقول الخبراء أبداً: "حسناً، دعونا لا نستبق الأمور، فنحن نعرف أننا إذا أجرينا هذه الانتخابات 100 مرة، سيفوز ترامب 35 مرة من تلك المرات، وستفوز كلينتون 65 مرة بالمقابل"، وإلا سيرغب مدراء البرنامج بالتخلص منذ ذاك الخبير.  

لنطّلع على الآثار المفاجئة. كان الجميع مصدوماً للغاية. كيف كانت الردود؟ "لقد أخطأت". لم يقولوا: "لقد أخطأتم يا خبراء". بل قالوا: "أنتم مخطئين يا محللي الانتخابات". مما أدى إلى مشكلة مفاجئة بأن أصبح الناس يرفضون الاستماع للتحليلات الخاصة بالانتخابات. وكأنهم يقولون: "أنتم يا علماء البيانات، ليست لديكم أي فكرة عما تتحدثون عنه. إحصائيات الانتخابات خاطئة". أظهرت الاحصائيات أن كلينتون هي من سيفوز بأغلبية التصويت العام بنسبة اثنين بالمئة. وكان ذلك صحيحاً آخر مرة اطلعت بها على الإحصائيات. 

ليس لدينا في حياتنا بشكل عام، ما يكفي من النتائج لنعرف جودة القرار، ناهيك عن نتيجة واحدة فقط. نحن لا نملك ما يكفي من الإحصائيات لنفهم كيف فاز ترامب.

هل تشعرين بأننا أكثر نفوراً اليوم من فكرة الخطأ أكثر من أي وقت مضى؟

لا أعلم ما إذا كان هذا صحيحاً. أعتقد أننا نشعر بذلك لأننا نعيش في عالم مليء بالضجيج. لربما كان شعورنا في الماضي أفضل حول كوننا "مخطئين" أو على الأقل أقل سوءاً. فكانت تُنشر الأخبار عبر قنوات معينة لمحاولة جذب أكبر عدد ممكن من الجمهور. أما الآن، أصبحت القنوات مصممة وموجهة، لدرجة أن وجهة نظرك تصبح مجرد رأي أقنعتك به بعض القنوات الموجهة وهذه مشكلة كبيرة.

[لكن] هذه كانت مشكلة بالنسبة للتاريخ البشري بأكمله: فعدم قدرتنا على تغيير العقول وعدم الانفتاح والاعتقاد بأنك على حق وعدم الاستماع إلى الأصوات المعارضة، كل تلك كانت معتقدات ظهرت في تاريخ البشرية من قبل. وأعتقد أن الوضع يبدو أسوأ الآن، وربما لا. ربما تكون المشكلة في الإدراك البشري بشكل عام.

حسناً، كيف يمكننا أن نتقبل أخطاءنا ونستفيد منها إذاً؟

أولاً، عليك التوقف عن التفكير في الأمور من منحى الصواب والخطأ أو الأسود والأبيض. تبين أننا في معظم الأوقات أقل صواباً مما كنا نظن. إن قمت بإقناعك برأي معين، فإنك ستدرك أنك بغض النظر عن مدى قناعتك بهذا الرأي، لا يمكن أن يكون صواباً 100 بالمئة.

هذا يعني أنك لم تكن على حق في المقام الأول. كنت في مكان في المنتصف. عندما يمنحك أحد ما دليلاً قد يؤدي بك إلى إعادة النظر في معتقدك، قد يتيح لك ذلك أن تكون أكثر انفتاحاً وتقبلاً للمعلومات التي قد لا تتفق مع ما تؤمن به، إن كنت لا تفكر بأنك على حق في المقام الأول. العالم لا ينقسم إلى مجرد صواب وخطأ.

أجريت الكثير من الأبحاث حول السلوك والإدراك البشري، هل يمكنك أن تخبرينا فكرة أو اثنتين من أهم الأفكار التي قرأتِ عنها أو تعلمتها في هذا المجال؟

فكرة التعامل مع ما خسرناه. يمكنك أن تلاحظ ذلك لدى كل من ينتظر في طابور الدفع لدى السوبرماركت، فيبدؤوا بعدّ الناس الذين يقفون قبلهم وعدّ أغراض أولئك الناس وسواء كانت لديهم قسائم تخفيضات وإن كان المحاسب سريع أم لا. وعندما يختار أحدنا طابوراً، لا يغيره في معظم الأحيان، حتى ولو كان من الواضح أن طابوره بطيء وعليه التغيير. ونحاول تجنب اتخاذ هذا القرار الجديد ولا نغير طابورنا. حيث نشعر بأننا قد خسرنا الوقت إن غيرنا مكاننا إلى الطابور الآخر. لكن في حقيقة الأمر، لقد خسرنا الوقت فعلاً ولن نتمكن من استعادته، فلسنا نملك آلة السفر عبر الزمن.   

وفكرة أخرى اكتشفتها وأنا ألعب بورق اللعب هي أن اللاعبين الخاسرين يميلون إلى القول بأن حظهم كان سيئاً. أما عندما يفوز اللاعب، يقولون "يا لي من لاعب ماهر. أنا عبقري". وبهذا يكونوا قد حملوا مسؤولية الخسارة والنتائج السيئة للحظ السيء. يدعى هذا في علم النفس الإدراكي "التحيز بما يخدم المصالح الشخصية". وهذا السلوك سيء جداً في التعلّم، فإن أرجعنا جميع النتائج السيئة إلى الحظ السيء بدلاً من تحمل المسؤولية، لن نتعلم من أخطائنا شيئاً، ولن نعود ونتفحص ما إذا كان هناك شيء ما يمكننا القيام به لزيادة احتمال فوزنا والحصول على نتائج أفضل. إن آمنت بأن كل النتائج الجيدة هي نتاج المهارة، فإنك تعزز بذلك طريقة التفكير التي تقول بأن النتيجة هي نتاج قراراتك، وهذا ليس صحيحاً في الواقع. ليست هناك صلة بين النتائج وجودة قراراتنا. ويجب ألا نفكر بأن هناك علاقة مباشرة بين الاثنين.

يغيّر سلوك "التحيز بما يخدم المصالح الشخصية" الطريقة التي ترى بها الأشخاص وهم يتحدثون فيما بينهم. فإن تحدثنا عمن هم في علاقة حب، سنسمعهم يقولون: "لا يسعني أن أصدق أنهم عاملوني بهذه الطريقة السيئة". أو إن حصل أحدهم على ترقية سيقول الآخر: "لا يسعني أن أصدق أنني لم أحصل على الترقية. المدير يكرهني ويحب ذاك الشخص"، أو "لربما تقرب ذاك الشخص من المدير أكثر مما فعلت أنا". هذه كلها طرق نُسقط فيها نتائج الأشياء على الحظ ولا نتحمل مسؤوليتها.

عندما نتحدث عن شعورنا السيئ حيال ذلك، فنحن نتحدث عن شعورنا تجاه صورتنا الذاتية وعن اعترافنا بالخطأ. وهذه أحد الأسباب التي تجعلنا نكره أن نكون على خطأ، إلا أننا يجب أن نتخلص من طريقة التفكير هذه. وهذا يعني أيضاً التخلي عن الشعور بالرضا عندما نكون على حق، على الرغم من أن هذا الشعور هو شيء عاطفي وصعب التحكم به.

تحدثتِ في كتابك عن صعوبة التخلص من طريقة تفاعلنا مع الأشياء بسبب آلية عمل أدمغتنا الطبيعية. هل يمكنك أن تخبرينا كيف نتخلى عن الشعور بالرضا عند النجاح، والشعور بالتعاسة والخجل عندما نرتكب الأخطاء؟

أعتقد أن ذلك يعتمد على نظرتك للفوز في اللعبة. كيف نعرف معنى أن نكون على صواب أو خطأ؟ إذا كنا نتنافس على شيء ما، فمن سيفوز: الشخص الذي يكون على صواب، بمعنى "أنا فقط أحاول أن أثبت صحة معتقداتي"، أم الشخص الذي طور النظرة الأكثر دقة عن العالم؟ سيكون الفائز هو الشخص الذي طور النظرة الأكثر دقة عن العالم.

وهذا يعني أنك يجب أن تكون منفتح الذهن ومتقبل للمعلومات التي لا تتوافق مع طريقة تفكيرك. عليك أن تحاول فعل ذلك، لأنك إن قررت أن تتحداني، من الأفضل أن أذهب وأكتشف "ما الذي تعرفه أنت وأنا لا أعرفه؟ ما المعلومات التي تملكها؟ ما الذي فاتني؟ ما الذي يمكنني أن أقرأه ليساعدني على معرفة ما إذا كان هذا الرهان جيد أم لا؟" سيضعني هذا الأسلوب على الفور في مزاج أكثر انفتاحاً نحو المعلومات.

تم تعديل وإيجاز هذه المقابلة.

المقالة من GQ US